- عماد العتابي
لم تكن منطقة الشرق الأوسط خلال العقود الماضية ساحةً محايدة لتبادل النفوذ، بل ميدانا مفتوحا لمحاولات إعادة تشكيلها سياسيا وهوياتيا وفق مشاريع صهيوأمريكية واضحة، حاولت فرض وقائع جديدة بالقوة تارة، وبأدوات داخلية (إسلاماوية) مُعاد توجيهها تارة أخرى.
في هذا السياق، برز محور المقاومة كحالة سياسية وعسكرية متماسكة، لم تكتف بردّ الفعل، بل انتقلت إلى صياغة معادلات ردع جديدة قلبت كثيرًا من الحسابات التقليدية في الإقليم. وبات واضحا أن إعلان وقف إطلاق النار في لبنان الليلة الماضية مثّل تحولًا استراتيجيا مهما في المنطقة، فُرض بميزان القوى الذي أرسته إيران والمقاومة اللبنانية، رغم أنف نتنياهو.
لقد أثبتت إيران، بوصفها المركز الأهم في هذا المحور، أنها ليست مجرد دولة تواجه حصارا وحربا وعقوبات، بل قوة إقليمية استطاعت تحويل الضغط إلى عنصر بناء قوة، وتعزيز حضورها في ملفات استراتيجية تمتد من الخليج إلى القدس.
على المستوى العسكري، لم يعد بالإمكان تجاهل حقيقة أن مشاريع الهيمنة والحرب والضغط الميداني لم تحقق أهدافها كما رُسم لها. فمحور المقاومة، عبر تراكم تجارب متعددة في لبنان والعراق واليمن وسوريا قبل أن تسقط في يد عملاء تل أبيب وواشنطن وأنقرة، نجح في تثبيت معادلة ردع جديدة فرضت على الخصوم إعادة حساباتهم، وأدخلت المنطقة في مرحلة توازن قلق بدل التفوق الأحادي.
أما على مستوى السردية، وهو الأخطر في الصراع المعاصر، فقد خسر المشروع الصهيوأمريكي جزءا مهما من احتكاره لرواية “الشرعية” و”الديمقراطية” و”التحرير”. إذ بات واضحا أن كثيرا من التدخلات التي قُدمت تحت هذه العناوين أنتجت نتائج عكسية، وأدخلت دولا كاملة في دوائر من الفوضى والحروب الطويلة دون استقرار حقيقي.
وفي الحالة السورية تحديدا، تتجلى المفارقة بوضوح. فبدل أن تتحول الأحداث إلى مسار إصلاح وطني جامع، انزلقت إلى حرب استنزاف مركّبة، دفعت الدولة والمجتمع ثمنها الباهظ. وفي هذا السياق، يرى محور المقاومة أن بقاء الدولة السورية في شكلها الأدنى ومنع انهيارها الكامل لم يكن تفصيلا ثانويا، بل عنصرا حاسما في منع سقوط المنطقة في فراغ استراتيجي.
لقد انتهت مرحلة “الهيمنة السهلة” في المنطقة، ودخلت الأطراف جميعها في معادلة جديدة عنوانها الأساسي؛ لا حسم مطلق، ولا قدرة على الإلغاء الكامل للآخر. وفي هذا الإطار، يقدّم محور المقاومة نفسه اليوم كقوة صاعدة لا تكتفي بالصمود، بل تسعى إلى إعادة تعريف ميزان القوى في المنطقة، سياسيا وعسكريا وسرديا.
وهكذا، فإن ما يجري ليس مجرد صراع عابر، بل إعادة تشكيل عميقة للمنطقة، تتنافس فيها المشاريع على الأرض كما تتنافس على الوعي والرواية، في معركة طويلة لم تُحسم بعد، لكنها بالتأكيد لم تعد كما كانت قبل عقدين فقط.
