- المرتضى إعمراشا
في الخطاب السياسي المغربي المعاصر مفارقة تستحق التأمل، مفارقة تجعل مفهوم الوطنية يبدو أحياناً وكأنه انزلق من معناه الأصلي إلى معنى آخر أكثر التباساً، فالوطنية في معناها البسيط الذي تعرفه الشعوب عبر التاريخ هي الغيرة على الأرض والدفاع عن السيادة، وهي ذلك الإحساس العميق الذي يجعل الإنسان يرى في تراب بلاده جزءاً من كرامته الشخصية، غير أن النسخة التي يجري الترويج لها أحياناً في النقاش العام تبدو مختلفة إلى حد كبير، إذ تتحول الوطنية في هذا الخطاب إلى نوع من الانضباط في اللغة، إلى تصفيق للرواية الرسمية دون مساءلة، وإلى حماسة غير محدودة لمهاجمة كل تجربة مقاومة في العالم حتى لو كانت تلك المقاومة موجهة ضد احتلال واضح، بينما يُطلب في الوقت نفسه أن تُناقش قضايا السيادة القريبة بنبرة منخفضة وبكثير من الصمت المهذب.
لو عدنا إلى الجغرافيا، والجغرافيا لا تعرف البلاغة ولا تخضع لبلاغة البيانات السياسية، سنجد حقائق لا يمكن إنكارها بسهولة، فسبتة ومليلية ليستا نظريتين سياسيتين بل مدينتان تحت السيادة الإسبانية منذ قرون، والجزر الجعفرية والجزر الصغيرة المنتشرة قبالة الساحل المتوسطي ليست استعارة لغوية بل حضور عسكري فعلي في البحر، كما أن قضايا الأجواء والبحار والحدود الشرقية للصحراء تظل ملفات سيادية معقدة يعرفها الجغرافيون والباحثون جيداً، ومع ذلك يلاحظ المتابع للنقاش العام أن الحديث عن هذه القضايا يكاد يختفي من المجال العمومي، بينما تمتلئ المنابر بخطب طويلة ضد كل من يرفع شعار المقاومة في أماكن بعيدة من العالم، وكأن المعركة الأساسية للأمة تدور دائماً خارج حدودها.
وهنا يبدأ المشهد في اكتساب طابعه العبثي، لأن الصمت عن هذه الوقائع لا يُقدَّم بوصفه نتيجة موازين قوة دولية معقدة أو حسابات سياسية دقيقة، بل يجري أحياناً تقديمه باعتباره تعبيراً عن حكمة دبلوماسية رفيعة، وكأن الواقعية السياسية تعني التكيف الدائم مع الأمر الواقع إلى ما لا نهاية، بينما يصبح مجرد الحديث عن السيادة أو عن الكرامة السياسية خطاباً رومانسياً أو تهديداً للاستقرار، وهكذا تُعاد صياغة المفاهيم بهدوء: يصبح الصمت فضيلة، ويصبح السؤال مغامرة، وتتحول الوطنية من علاقة بالأرض إلى علاقة باللغة التي نتحدث بها عن الأرض.
ولو نظرنا إلى هذه الظاهرة من زاوية تحليل الخطاب السياسي، سنجد أن النقاش العام يُعاد توجيهه أحياناً بعيداً عن الأسئلة التي تمس السيادة مباشرة، ويُملأ في المقابل بمعارك رمزية حول قضايا خارجية، بحيث تبدو الأمة منشغلة دائماً بحروب خطابية في أماكن بعيدة بينما تبقى قضاياها القريبة محاطة بالصمت أو بالمجاملات الدبلوماسية، وهذا النمط من النقاش ليس خاصاً بالمغرب وحده، بل هو ظاهرة معروفة في السياسة الحديثة حيث تُصنع الأولويات أحياناً عبر اللغة قبل أن تُصنع عبر الوقائع.
لكن التاريخ يعلمنا درساً بسيطاً لا يحتاج إلى كثير من التنظير: الأمم التي تفقد حساسيتها تجاه سيادتها تفقد تدريجياً قدرتها على الدفاع عنها، فالأرض لا يحميها الخطاب بل الإرادة، والسيادة لا تُصان بالبلاغة بل بقدرة المجتمع على تسمية الأشياء بأسمائها، والبلدان التي تهاجم فكرة المقاومة في كل مكان بينما تتحاشى الحديث الواضح عن قضاياها السيادية القريبة تبدو كأنها تخوض معارك خطابية بعيدة لتجنب مواجهة أسئلتها الحقيقية.
إن روح المقاومة التي صنعت تاريخ الشعوب لم تكن يوماً شعاراً أيديولوجياً بل كانت إحساساً أخلاقياً بالكرامة، ذلك الإحساس الذي جعل رجالاً مثل محمد بن عبد الكريم الخطابي يرون في الدفاع عن الأرض واجباً لا يقبل التأجيل، لأن السيادة في النهاية ليست مفهوماً نظرياً بل علاقة حية بين الإنسان وتراب بلاده.
في النهاية لا يتعلق الأمر بإيران ولا بأي دولة أخرى، بل بسؤال أقدم بكثير من كل هذه النقاشات: هل الوطنية هي الدفاع عن الأرض، أم الدفاع عن الرواية الرسمية حول الأرض؟ لأن الأمة التي تتحدث كثيراً عن استقرار العالم لكنها تتردد في الحديث عن سيادتها قد تجد نفسها يوماً تمتلك خطاباً سياسياً قوياً… وأرضاً أقل.
