تقرير – المغرب
أعلن مجلس السلام في غزة أن أول دفعة من القوات الدولية المغربية، والمقدرة بألف جندي، ستصل مطلع شهر غشت إلى شرق رفح بالقرب من موقع كرم أبو سالم، على أن تبدأ انتشارها قبل دخول اللجنة المكلفة بإدارة المرحلة المقبلة في القطاع. ووفق الإعلان، ستتولى القوات المغربية مهمة تأمين انسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى الخط المحدد، والفصل بين القوات “الإسرائيلية” والمناطق الخاضعة للإدارة الجديدة في غزة، إضافة إلى تأمين توزيع المساعدات والتنسيق مع الشرطة التابعة للجنة التكنوقراط المكلفة بإدارة القطاع.
هذا الإعلان لا يمثل مجرد انتشار لقوات دولية تحت عنوان “حفظ الأمن”، بل يكشف عن مشهد سياسي جديد يجري رسمه لغزة بعد الحرب. فالمعادلة المطروحة لا تبدو معركة بين احتلال وشعب تحت الاحتلال، بل عملية إعادة ترتيب للأدوار؛ جيش إحتلال إسرائيلي ينسحب من الواجهة، وقوة مغربية تتقدم إلى الميدان لتولي المهام التي كانت جزءا من منظومة السيطرة الأمنية.
بدل أن يكون الانسحاب الإسرائيلي مقدمة لإنهاء الاحتلال، قد يتحول إلى إعادة انتشار ذكية تخفف عن “إسرائيل” تكلفة وجودها العسكري المباشر. فالقوات المغربية وفق المهام المعلنة، لن تدخل غزة لتحريرها من قبضة الاحتلال، ولن تكون مهمتها فرض انسحاب إسرائيلي كامل، بل ستعمل على تأمين الخطوط التي حددتها إسرائيل، ومنع الاحتكاك، وضبط الحركة بين المناطق. أي أنها ستتولى إدارة المساحة الأمنية التي كانت “إسرائيل” مضطرة إلى إدارتها بنفسها.
بمعنى آخر، أن المغرب سيتولى القيام بالمهام التي كان يقوم بها جيش الاحتلال الإسرائيلي بعد خروجه.
إن أخطر ما في هذه الترتيبات هو تحويل القضية الفلسطينية من قضية احتلال وحقوق وطنية إلى ملف أمني وإداري. فبدل الحديث عن إنهاء الحصار، وإنهاء السيطرة الإسرائيلية، وفتح الطريق أمام تقرير المصير الفلسطيني، يجري التركيز على إنشاء منظومة أمنية جديدة مهمتها الأساسية ضبط القطاع ومنع الانفجار.
والتاريخ يثبت أن أخطر مراحل الصراعات ليست دائمًا مرحلة الحرب، بل مرحلة ما بعد الحرب، عندما تُرسم الوقائع الجديدة تحت عناوين تبدو إنسانية ومحايدة. فكثير من المشاريع السياسية تبدأ بشعارات مثل “الاستقرار” و”حماية المدنيين” ثم تتحول على الأرض إلى أدوات لإدارة واقع فرضته القوة العسكرية.
إن دخول قوات مغربية إلى غزة في هذه الظروف يطرح إشكالية كبرى؛ هل ستكون هذه القوات عامل حماية للشعب الفلسطيني، أم ستتحول إلى طرف يقوم بالمهام التي لا تريد إسرائيل تحمل كلفتها سياسيا وعسكريا؟
فإسرائيل، بعد حرب مدمرة خلفت أزمة إنسانية هائلة، تحتاج إلى إعادة تقديم نفسها أمام العالم بصورة أقل ارتباطًا بالسيطرة المباشرة على غزة. وجود قوة دولية/مغربية إسلامية تتولى الأمن والإدارة الانتقالية قد يمنحها فرصة للانسحاب من المشهد الظاهر، مع الاحتفاظ بالنفوذ الحقيقي عبر الحدود والترتيبات الأمنية.
أما الحديث عن تدريب الشرطة الجديدة وإعادة بناء الأجهزة الأمنية، فهو يكشف أن المسألة تتجاوز المساعدات الإنسانية. نحن أمام محاولة بناء نظام أمني جديد داخل غزة، نظام ستكون مهمته الأولى فرض الهدوء وإدارة السكان في مرحلة ما بعد الحرب. والسؤال هنا هل المطلوب بناء سلطة فلسطينية مستقلة، أم بناء جهاز وظيفته حماية الترتيبات التي خرجت من رحم الحرب؟
بالنسبة للمغرب، فإن القضية أكثر حساسية، لأن المشاركة في مثل هذا المشروع ستُقرأ سياسيا باعتبارها انتقالا من موقع التضامن مع فلسطين إلى موقع المشاركة في إدارة مرحلة جديدة داخل القطاع. فالمشكلة ليست في جنسية الجنود، بل في طبيعة المهمة التي سيُطلب منهم تنفيذها.
فالقضية ليست رفضا لمساعدة سكان غزة أو تخفيف معاناتهم، بل رفض لتحويل المأساة الإنسانية إلى مدخل لإعادة إنتاج السيطرة بوسائل مختلفة. فالاحتلال لا يصبح أقل خطورة فقط لأنه غيّر زيه العسكري أو استبدل جنوده بقوات أخرى؛ فالمعيار الحقيقي هو من يملك القرار؟ ومن يحدد مستقبل غزة؟
إذا كانت القوات المغربية ستدخل غزة لتكون جزءا من ترتيب يجعل إسرائيل تنسحب شكليًا بينما تبقى صاحبة اليد العليا أمنيا وسياسيا، فإن التاريخ قد لا يقرأ هذه الخطوة باعتبارها حفظا للسلام، بل باعتبارها مشاركة في مرحلة جديدة من إدارة الاحتلال.
فغزة لا تحتاج فقط إلى من يدير أمنها، بل إلى من يحترم حق شعبها في الحرية والسيادة. وأي خطة تتجاهل هذا الحق ستبقى، مهما تغيرت الأسماء والشعارات، مجرد إحتلال ومحاولة لإدارة الأزمة بدل إنهائها.
