عماد العتابي/
في القصر الكبير، مياه السيول ترتفع، والمدينة مهددة بالغرق، والخوف من انهيار سد وادي المخازن يخيّم على كل حي. لكن أخطر ما يواجه السكان ليس الماء وحده، بل صمت الدولة عن إعلان المدينة منكوبة، ما يجعل حياتهم معلقة بين الخطر والمجهول.
وفي هذا الوضع الطارئ والخطير، من حقنا أن نسأل، لماذا لم تعلن الدولة المدينة منكوبة؟
عدم إعلان مدينة القصر الكبير مدينة منكوبة لا يمكن اعتباره مجرد تأخر إداري أو تقدير تقني للضرر، بل هو في جوهره موقف سياسي يعكس تملصا واضحاً من الدولة من تحمل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية تجاه الساكنة. فإعلان حالة الكارثة ليس إجراء رمزيا، بل يفتح الباب أمام تفعيل آليات استثنائية للتدخل العاجل، وتعبئة الموارد، وجبر الضرر، ومحاسبة المتسببين في التقصير.
إن الإصرار على تجنب هذا الإعلان يعني عمليا إبقاء المدينة خارج دائرة الأولوية الوطنية، وحرمان المتضررين من حقوقهم في الدعم والتعويض وإعادة الإعمار، وكأن معاناة السكان قابلة للتجاهل أو الاحتواء بالصمت. وهو ما يكرّس منطق اللامبالاة ويعيد إنتاج الإحساس بالتهميش وانعدام العدالة المجالية.
الدولة التي لا تعترف بحجم الكارثة، تتهرب في الواقع من الاعتراف بفشل سياساتها في الوقاية والتخطيط والبنية التحتية، وتسعى إلى اختزال الأزمة في كونها حادثا عرضيا بدل التعامل معها كنتاج اختيارات وتراكمات خاطئة. لذلك فإن عدم إعلان القصر الكبير مدينة منكوبة ليس موقفا تقنيا بريئا، بل قرارا سياسيا يهدف إلى الإفلات من المساءلة، وإغلاق الباب أمام أي التزام حقيقي تجاه الضحايا.
إعلان مدينة القصر الكبير منكوبة ليس منّة، بل واجب قانوني وأخلاقي. وأي استمرار في تجاهل هذا المطلب هو استمرار في تكريس سياسة الهروب من المسؤولية وإدارة الأزمة بالصمت بدل المواجهة. والدولة القوية ليست تلك التي تُخفي الكوارث، بل التي تمتلك الشجاعة للاعتراف بها، وحماية المواطنين، ومحاسبة المقصرين.
لكن المشكلة أعمق من مجرد صمت الدولة. فالفجوة بين التصريحات الرسمية والتدخل الفعلي تتسع، والمواطنون يشعرون أن تحذيراتهم واستغاثاتهم لا تُسمع، وأن خطط الوقاية موجودة على الورق فقط، بينما الحياة الواقعية في القصر الكبير معرضة للغرق. هذا الانفصال بين الكلام والفعل يضعف الثقة في المؤسسات ويزيد الشعور بالإهمال، ويجعل أي أزمة مستقبلية أكثر خطورة من سابقتها.
كما أن الإدارة الحالية للمدينة والحكومة في الرباط تظهران نقصا في التخطيط الاستباقي والتنسيق بين القطاعات، ما يترك السكان في مواجهة المجهول وحدهم، ويجعل كل تدخل متأخرا وغير فعال. لأن الأزمة الحالية لم تُولد من الأمطار وحدها، بل من تراكمات سنوات من إهمال البنية التحتية، وضعف السياسات الوقائية، وإهمال حماية السدود والمجاري المائية.
القصر الكبير تغرق بين مياه الفيضانات، وبين صمت الدولة عن إعلانها منكوبة. هذا الصمت أشد خطورة من السيول نفسها، لأنه يحرم المدينة من الاعتراف بالخطر ومن كل أدوات النجاة، ويترك حياة السكان معلقة بين الانتظار والمجهول.
