محمد المساوي
سلام على من بقي في قلبه حيّز للحياء السياسي، أما أنت، فقد صار الحيّز عندك أضيق من مساحة حرف في لوحة تيفيناغ التي قررت أن تُصادرها من عليائك، وكأن قدر الأمازيغية أن تُجلد مرتين: مرة على ألسنة المتحاملين، ومرة على أيدي الذين عجزوا عن تفعيل رسميتها لسنوات ثم خرجوا اليوم ليتفلسفوا عليها.
أسمعتنا صوتك قبل يومين، لا لتصحّح تاريخا، ولا لتعتذر عن عقد ونصف من التعطيل، بل لتضيف جرعة جديدة من التهكم المتعالي، خرجتَ تتحدث عن الأمازيغية بضمير المستغني، بلهجة من يعرف كل شيء ولا يفعل أي شيء. قلتَ إن اختيار حرف تيفيناغ كان خطأ، وكأن المغاربة كانوا ينتظرون منك، بعد عشر سنوات من الصمت حين كنت تملك السلطة، أن تكتشف فجأة أنك حكيم الأمة وخبير الأبجديات.
دعني أذكرك، بما أنك تُحب الظهور بمظهر الرجل الذي “كان يعرف منذ البداية”، رغم انك لا تعرف شيئا، اسمع يا هذا، لأقول لك: إن اختيار تيفيناغ لم يكن قرارا لنشطاء الحركة الأمازيغية الذين انقسموا تاريخيا في اغلبهم بين الحرف اللاتيني والحرف العربي؛ بل كان قراراً فُرض من فوق، من الدولة ذاتها التي جلست بين ذراعيها خمس سنوات كاملة وأنت رئيس حكومة أو زعيم أغلبية. ومع ذلك، لم نسمع منك حرفا، لا عربيا ولا لاتينيا ولا تيفيناغيا، يعترض أو يناقش أو يشتكي.
ستقول لي كيف فرض من فوق؟ سأقول لك حدث ذلك، مثلما حدث معكم في 2007 عندما أصدروا أمرهم اليك للتحجيم عن تغطية كل الدوائر الانتخابية حتى لا تفوزوا بالانتخابات، أيضا كما فعلوا مع البام سنة 2011 لكي يحجم عن تغطية كل الدوائر الانتخابية لكي يفوز حزبكم ويقود حكومة الربيع الذي لم ينبت إلا على وجوهكم.
ثم تأتي اليوم، بعد أن ضاعت السنوات، لتضع إصبعك في الهواء وتقول بكل ثقة: “كان خطأ”، وكأنك ارخمديس زمانك؟!!
الخطأ يا هذا ليس الحرف.
الخطأ أن يؤتمن أمركم على لغة رسمية فتخرج من الولاية كما دخلت: صمت، تبرير، ثم ضحكة ساخرة في نهاية الطريق ينز منها انتشاء وفرح طفولي لوأد هذه اللغة.
ولأن العرض لم يكن مكتملا، احتجتَ إلى مشهد إضافي لتأكيد “فكاهتك السياسية”. التفتّ إلى الرجل الجالس أمامك، قلت له: أنت ريفي. الريف يا أستاذ ليس نكتة، ولا بطاقة تعريف مسلية. الريف منطقة قاومت الاستعمار، ودفعت ثمن الكرامة بالدم، وتتكلم الأمازيغية التي خصّصتَ خطبتك لتهوينها.
فجاءك الرجل بجملة بسيطة مرتبكة معضعضة: “عندي ديبلوم في تيفيناغ”.
ولأنك تحتاج إلى عكاز حتى تستقيم سخريتك، قفزتَ على الجواب وسألته متعاظما: “واش كتفهم تيفيناغ؟”
قال لك: “لا، ثم اصدرتَ بوقاحة ذاك الصوت البئيس بررررررررر”.
فرحت، وتطاوسْت، واعتبرت هذا النفي دليلا على “تفاهة الحرف” و“هزالة اللغة”, و”برررررر ” التي خرجت من فمك قد انتصرت.
فعلت هذا كله، دون ان تنتبه انه ليس ثمة شيء اسمه ديبلوم في تيفيناغ، لم تنتبه انت ولا من كان حاضرا معك في المجلس، لان مجلسكم اصلا لم تكن تهمه الحقيقة، بقدر ما كان يهمه التصفيق الصفيق لترهات الزعيم.
هذه ليست اول مرة يا بنكيران، بل سبق لم ان وصفت حروف تيغيناغ عندما كنت رئيسا للحكومة، وصفتها بانها “تشينوية”.
لو كان كلامك يُقاس بالمسؤولية ايها الثرثار، لوجب أن تخرج اليوم لا لتتحدث عن تيفيناغ، بل لتعتذر للأمازيغية وللمغاربة جميعا عن عقدٍ من التعطيل.
لكن الاعتذار يحتاج شجاعة، والشجاعة تحتاج مواقف، والمواقف تحتاج رجالا، وللأسف… الكاميرات والكلام المرسل لا يصنع الرجال.
إنه منطق غريب: لا يختلف كثيرا عن منطق الذين يبحثون عن مرآة مشروخة كي يثبتوا لأنفسهم أن وجوههم سليمة.
أما المفارقة الكبرى، تلك التي تحاول أن تهرب منها بمهارة لاعب سيرك مكشوف، فهي أن الأمازيغية رُسمت دستورياً عام 2011. دستور جاء في زمن كان حزبك يحتفل فيه بانتصاره الأول. ومنذ ذلك التاريخ مرّت 14 سنة كاملة.
أربع عشرة سنة يا سيد بنكيران، منها ولايتان حكوميتان: واحدة برئاستك، والثانية برئاسة العثماني وبتوجيه منك.
ومع ذلك، لم تر القوانين التنظيمية النور إلا على الورق، ولم تُفعّل رسمية اللغة في المدرسة، ولا في الإدارة، ولا في الحياة العامة.
أربع عشرة سنة من الانتظار… ثم تأتي الآن لتوبّخ الحرف، لا التاريخ. لتسخر من اللغة، لا من عجز الحكومات التي قادها حزبك. لتفتح فمك على الحرف، وتغلقه على المسؤولية.
يا سيد بنكيران؛
إنك تحاول أن تُقنع الناس بأن مشكلة الأمازيغية في “شكل الكتابة”، لكن الحقيقة أن المشكلة في “شكل السياسة”.
تحاول أن تبدو رجلا فوق المعارك، بينما أنت جزء من تراكمات لم تُنجز شيئا للقضية التي تتحدث عنها، وقد فضحت نفسك عندما قلت انكم وقفتم ضد الكتابة بالحرف اللاتيني، لكن عندما اختاروا حرف تيفيناغ سكتم، لان سيدك قال لك “دكشي ديالهوم هما لي اختاروه”، هنا انت بعظمة لسانك الممطط اكثر من اللزوم، تشهد على نفسك انكم عارضتم الحرف اللاتيني ولم تعارضوا حرف تيفيناغ، اي انتم شئتم ام ابيتم شاركتم بصمتكم في اختيار تيفيناغ، حدث هذاا قبل ازيد من 20 سنة، والان تخرج في حملة انتخابية لتوظف الموضوع بطريقة خبيثة حقيرة وساقطة.
سيد بنكيران، الذي يرى نفسه خبير الابجدية، انت في لغتك التي تمجدها، لم تكن يوماً “ألفا” منتصبة في وجه المخزن، بل كنت دائما “ألفا مقصورة” تجرّ ذيلها حيث تُسحب، وياءً مجرورة في آخر الجملة تبحث عمّن يرفعك.
هكذا كنتَ في الحكم وهكذا بقيت بعده: شكل بلا معنى، حرف بلا حركة، وجود لغوي معلق على مشيئة من يكتب النصّ الأكبر فوق رأسك.
سيد بنكيران (او سيد: عبدُ الملكِ كما يخاطبك البعض) ليس مضحكا أن تسخر من لغة رسمية. وليس مضحكا أن تجلد شعبا لأنه لم يستوعب بعدُ ما لم تُوفّر له أنت وأمثالك أدوات استيعابه. وليس مضحكا أن تتحدث عن “الأخطاء” وأنت أحد صُنّاعها. الأمازيغية ليست نزوة، ولا زينة فولكلورية، ولا مادة للاستهزاء. هي لغة هذا البلد قبل الدول وقبل الأحزاب وقبل الدساتير وقبلك وبعدك. ولغتنا لا تنتظر مباركتك كي تعيش، ولا تحتاج تصفيق الجلسة التي تتفاخر أمامها.
ختاما يا سيد بنكيران يا عبدَ الملك:
إذا أردت أن تبحث عن الخطأ، فالمرآة أمامك، لا في الأبجدية.
هذا ما كان
