- عماد العتابي
على مدى أكثر من أربعة عقود، عملت إيران بصبرٍ واستمرارية على بناء قدراتها العسكرية والاستراتيجية، حتى أصبحت تمتلك منظومة قوة معقدة لا تقوم فقط على السلاح المباشر، بل أيضا على شبكة من الحلفاء والامتدادات الإقليمية التي تشكل ما يشبه “حزاما ناريا” يطوق الكيان ناريا. هذه القوة لم تُبنَ في سنوات قليلة، بل تراكمت عبر عقود من التخطيط والصراع والتجربة والتضحيات والدماء.
لا شك أن سقوط سوريا شكّل خسارة استراتيجية مهمة لمحور المقاومة، وقد ساهم في ذلك، بدرجات مختلفة بعض التيارات المرتبطة بالإسلام السياسي في المنطقة، بما في ذلك جماعة العدل والإحسان في المغرب. هذه القوى، سواء أدركت ذلك أم لم تدركه، وجدت نفسها عمليا ضمن مسارٍ خدم الأجندة الصهيو-أمريكية التي كانت تسعى إلى إسقاط أحد أعمدة هذا المحور. لقد حذّرناهم مرارا من الانخراط في هذا المشروع، ونبهناهم إلى أن التحريض المستمر ضد سوريا يخدم في النهاية مصالح أعداء المنطقة (إسرائيل وأمريكا…)، إلا أنهم استمروا في ذلك دون اكتراث.
ومع ذلك، فإن سقوط سوريا، على أهميته لم يكن يعني سقوط المحور نفسه. فالمحور لم يُبنَ على دولة واحدة أو جبهة واحدة، بل على مجموعة من الاستراتيجيات المتداخلة التي تهدف إلى مواجهة الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي ووكلائهما في المنطقة. لهذا فإن اختزال الصراع في ساحة واحدة أو حدث واحد يبقى قراءة قاصرة لطبيعة هذا المشروع.
إن القوة التي بنتها إيران عبر عشرات السنين ليست بنية هشة يمكن أن تنهار خلال أيام أو أشهر. من يتوهم ذلك يتجاهل طبيعة التراكم التاريخي والسياسي والعسكري الذي أنتج هذه القوة. فالعقيدة التي تحكم هذا المحور، وخاصة في بيئته الشيعية، قائمة على مفهوم الصمود الطويل وعدم الاعتراف بالهزيمة كخيار نهائي، بل اعتبارها محطة في مسار صراع ممتد.
وقد تجلّى هذا المنطق في تجارب عدة في المنطقة، من اليمن إلى تجربة حزب الله، حيث أثبتت هذه القوى أن قدرتها على الاستمرار والمقاومة لا تقاس فقط بحسابات القوة العسكرية التقليدية، بل أيضا بعمقها العقائدي وقدرتها على التكيّف مع التحولات.
لذلك، فإن قراءة مستقبل هذا المحور لا يمكن أن تتم بمنطق الانهيار السريع أو الحسم الفوري، بل ضمن سياق صراع طويل ومعقد، تتداخل فيه السياسة والعقيدة والاستراتيجية، وتُعاد فيه صياغة موازين القوة مع كل مرحلة جديدة.
