- عماد العتابي
مع اقتراب انتهاء مهلة الـ48 ساعة التي لوّحت بها الولايات المتحدة لإيران لفتح مضيق هرمز، تدخل منطقة الخليج مرحلة شديدة الحساسية، تتقاطع فيها التهديدات العسكرية مع الحسابات الاقتصادية، في مشهد يعكس تصعيدا غير مسبوق في مسار الأزمة.
لم يعد السؤال اليوم ما إذا كانت المنطقة ستشهد تصعيدا خطيرا، بل إلى أي مدى يمكن أن يصل هذا التصعيد قبل أن ينفجر الجميع في وجه الجميع. فالتهديدات الأمريكية لإيران، والحديث عن ضرب منشآت الطاقة، ليست مجرد رسائل ضغط، بل مؤشرات على عقلية كوبوية ترى في القوة وسيلة أولى وليست أخيرة.
لكن ما يغيب عمدا عن كثير من الخطاب السياسي والإعلامي هو حقيقة بسيطة، أن إيران لا تواجه خيارا مفتوحا، بل تُدفع نحو الزاوية. وعندما تُحاصر دولة بهذا الشكل، فإن ردها مهما بدا قاسيا يصبح جزءا من معادلة البقاء، لا مغامرة غير محسوبة.
مضيق هرمز، الذي يُستخدم اليوم كورقة تهديد ضد طهران، هو في الواقع سلاح توازن قبل أن يكون أداة تصعيد. فمن يهدد بخنق اقتصاد إيران عبر استهداف منشآتها، عليه أن يتوقع ردا يمس شريان الطاقة العالمي. وهنا لا نتحدث عن استعراض قوة، بل عن معادلة واضحة: الأمن مقابل الأمن، والطاقة مقابل الطاقة والظلام مقابل الظلام.
المقلق أكثر ليس فقط احتمالات المواجهة المفتوحة، بل موقع دول الخليج داخل هذه المعادلة. فبدل أن تكون عامل توازن إقليمي، اختارت أن تكون جزءا من عدوان إرهابي تقوده واشنطن. وهذا الخيار الذي قد يبدو مريحا في أوقات الاستقرار، يتحول في لحظة التصعيد إلى عبء استراتيجي، حيث تصبح الأراضي والبنية التحتية أهدافا مشروعة في أي رد إيراني.
الحديث عن ضرب منشآت الطاقة الإيرانية ليس تفصيلًا عسكريا عابرا، بل إعلان صريح عن كسر قواعد الاشتباك. وعندما تُكسر هذه القواعد، فإن الرد لا يبقى ضمن الحدود التقليدية. وهذا ما يجعل سيناريو استهداف منشآت الطاقة في الخليج احتمالا واقعيا، لا مجرد تهويل إعلامي وحرب نفسية.
هل يدخل الخليج “عصر الظلام:؟ ربما يبدو التعبير قاسيا، لكنه ليس بعيدا عن الواقع إذا انفلتت الأمور. فاستهداف الطاقة لا يعني فقط خسائر اقتصادية، بل اضطرابا في الحياة اليومية التي ستغدو بلا كهرباء، ومياه، وبلا استقرار اجتماعي. وفي النهاية، الشعوب هي من ستدفع الثمن لأنها فضلت الصمت وعدم الاكتراث عندما كانت أنظمتها ترهن قرارها السيادي للقواعد الأمريكية.
ما يجب أن يُفهم بوضوح أن إيران ليست الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، ولم تعد دولة يمكن تهديدها ثم انتظار صمتها. كل ما جرى خلال الأسابيع الماضية أثبت أن سياسة الضغط والتهديدات لم تكسرها، بل زادتها صلابة وقدرة على الرد.
من يلوّح اليوم بضرب منشآتها الطاقية، لا يهدد دولة معزولة، بل يفتح مواجهة مع واقع إقليمي كامل تشكّلت موازينه على أساس الردع، لا الخضوع. وأي ضربة لإيران من هذا النوع لن تكون نهاية الأزمة، بل بدايتها الفعلية، حيث لن تبقى الجغرافيا ولا المصالح ولا المنشآت خارج دائرة النار.
الخطأ الأكبر الذي يُرتكب الآن هو الاعتقاد أن الرد الإيراني يمكن احتواؤه أو التحكم بسقفه. هذه قراءة ساذجة وخطيرة في آن واحد. لأن ما سيحدث، إن انفجر الوضع، لن يكون ردا محدودا بل إعادة تشكيل قاسية لقواعد اللعبة في المنطقة كلها.
إيران لن تتراجع، ومن يختبر ذلك بمزيد من المغامرات غير المحسوبة لن يحصل على نصر، بل على فوضى لا يمكن السيطرة عليها. وعندها، لن يكون الخليج مجرد متأثر بالأزمة، بل ساحة مفتوحة لنتائجها.
