مع كل مناسبة وطنية، يتجدّد سؤالٌ يختزل عمق الجرح السياسي والاجتماعي لمنطقة الريف: هل سيُفرَج عن معتقلي حراك الريف وباقي سجناء الرأي، أم أنّ منطق الانتقام سيظلّ هو السائد؟ سؤال لا يعكس فقط معاناة العائلات وقلقها على مصير أبنائها، بل يرمز أيضًا إلى استمرار القطيعة بين الدولة وساكنة المنطقة.
هذا الترقب المستمر مع الزمن يفضح عجز الدولة عن فتح صفحة جديدة عنوانها الإنصاف والمصالحة الحقيقية. فالمخزن، رغم شعارات “طي صفحة الماضي” التي بدأها مع هيئة الإنصاف والمصالحة سنة 2004، لازال يفتقر إلى الإرادة السياسية لمواجهة تاريخه من القمع والاضطهاد في الريف، سواء تعلق الأمر بانتفاضة 1958-1959 أو انتفاضة 84 أو بحراك 2016-2017. بل إن تردده في الاعتراف بالانتهاكات ومحاسبة المسؤولين يثبت أن تلك التجربة لم تكن سوى تسوية شكلية.
في هذا السياق الدولة اكتفت باعتراف رمزي بضحايا بعض مراحل القمع، دون أن تُقدم على الخطوة الجوهرية أهمها ضمان عدم تكرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. حيث أن الاعتقالات على خلفية حراك الريف وباقي الحراكات الاجتماعية والعنف الذي شهدته المسيرات السلمية ، أغلقت قوس هامش الحرية الذي أنتزع بفضل قوة الشارع والسياق الإقليمي الذي عرفته منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط سنة 2011 فيما يسمى ب”الربيع العربي”.
إن الإفراج عن معتقلي حراك الريف وباقي المعتقلين السياسيين وإلغاء المتابعات في حق المنفيين، لم يعد مجرد مطلب حقوقي أو إنساني، بل ضرورة وطنية ملحة. فاستمرار الاعتقال يغذي الاحتقان ويفاقم فقدان الثقة في مؤسسات الدولة، ويجعل الحديث عن المصالحة أو الانتقال الديمقراطي مجرد شعارات بلا معنى.
من جهة، فإن هؤلاء المعتقلين لم يطالبوا إلا بحقوق اجتماعية واقتصادية ، تتعلق بالصحة، التعليم، وفرص العيش الكريم، وهي مطالب مشروعة وبسيطة وتعتبر من أساسيات الحياة المعاصرة. ومع ذلك، جرى التعامل معهم بمنطق أمني صرف، وتحولت المطالب من مطالب إقتصادية وإجتماعية إلى مطالب بإطلاق سراح المعتقلين وإنهاء معاناة عائلاتهم وأسرهم.
من جهة أخرى، فإن أي أفق سياسي جديد في المغرب لن يكون ممكنا دون انفراج حقوقي يضع حدًا للاعتقال على خلفية الرأي والتعبير. فالإفراج عن المعتقلين سيُشكل خطوة عملية لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، ويمكن من خلالها فتح حوار مجتمعي لا يقصي أي طرف من الأطراف.
إن أي تأخير في إطلاق سراح المعتقلين لا يعني فقط الإصرار على معاقبة الريف وباقي الأصوات الحرة، بل يهدد أيضا الاستقرار الاجتماعي. وحده الانفراج الحقوقي والسياسي، عبر إطلاق سراح المعتقلين وفتح حوار حقيقي، يمكن أن يُحوّل هذه الصفحة المؤلمة إلى بداية جديدة قائمة على العدالة والكرامة.
