- مروان الأحمر
ما يجري اليوم داخل جامعة ابن طفيل ليس مجرد انزلاق ظرفي أو تدبير (أمني) معزول، بل هو تعبير مكثف عن مرحلة جديدة من الهجوم المنظم على الجامعة العمومية، في سياق تنزيل “قوانين” وسياسات تهدف إلى إعادة تشكيل هذا الفضاء بما يخدم منطق السلطة بدل الحرية، ومنطق السوق بدل المعرفة.
لقد شكلت الجامعة المغربية تاريخيا، ومعها الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، إحدى القلاع القليلة التي ظلت عصية على التدجين الكامل. ولذلك فإن ما نشهده اليوم من اقتحامات متكررة للأجهزة القمعية، وتطبيع وجودها داخل الحرم الجامعي، ليس إلا حلقة في مسلسل أوسع يروم كسر ما تبقى من تقاليد النضال الأوطامي، وفرض واقع جديد عنوانه: “جامعة بلا صوت، وبلا مقاومة”.
غير أن خطورة المرحلة لا تكمن فقط في الممارسات الميدانية، بل في الإطار القانوني الذي يؤطرها ويمنحها “شرعية” شكلية. وهنا يبرز ما يسمى بالقانون 59.24، الذي لا يمكن قراءته إلا كقانون تخريبي يستهدف ما تبقى من استقلالية الجامعة. فهذا المشروع، بما يحمله من توجهات تخريبية يسعى إلى نقل مركز القرار من الفضاء الجامعي إلى هيئات فوقية، وعلى رأسها ما يسمى بـ “مجلس الأمناء”.
إن هذا المجلس، الذي يقدم في الخطاب الرسمي كآلية للحكامة، ليس في جوهره سوى أداة لإخضاع الجامعة لمنطق الوصاية المباشرة، وفتح أبوابها أمام تدخلات خارجية سياسية واقتصادية. إنه يضرب عرض الحائط مبدأ الاستقلالية، ويفرغ المؤسسات الجامعية من دورها التقريري، ليحولها إلى مجرد منفذة لسياسات مرسومة سلفا خارج أسوارها.
وفي هذا السياق، تصبح الاقتحامات المتكررة داخل الجامعة الوجه العنيف والمباشر لنفس المشروع الذي يؤطره القانون 59.24 بشكل “مؤسساتي”. فحين تجرد الجامعة من استقلاليتها وديمقراطيتها، يصبح من السهل اقتحامها أمنيا.
وحين يفرغ القرار الجامعي من مضمونه الديمقراطي، يصبح من الطبيعي أن يستقبل البوليس داخل الحرم الجامعي كأمر عادي.
أما ما يزيد الوضع خطورة، فهو الدور الذي يلعبه بعض عمداء الكليات، الذين تحولوا من حماة لحرمة الجامعة إلى وسطاء في تمرير هذا الهجوم. إن صمتهم، أو تواطؤهم، أو حتى تبريرهم لهذه التدخلات، يجعلهم شركاء مباشرين في ضرب استقلالية الجامعة.
فكما لعمداء الشرطة دورهم المحدد فإن لعمداء الكليات دورهم المحدد أيضا.. إن الخلط بين هذه الأدوار، هو في حد ذاته اعتداء على الجامعة. فعندما يتحول عميد الكلية من حارس لاستقلال المؤسسة إلى مبرر لدخول البوليس، أو صامت عن انتهاك حرمة الحرم الجامعي، فإنه يتخلى عن جوهر مسؤوليته، ويصطف موضوعيا إلى جانب مشروع بولسة الجامعة.
إننا أمام لحظة مفصلية: إما القبول بتحويل الجامعة إلى فضاء خاضع لمنطق البولسة والتدبير التقني البارد، أو الانخراط في معركة دفاع شاملة عن جامعة ديمقراطية، مستقلة، ومنحازة لقضايا المجتمع.
وعليه، فإن الرد الحقيقي على هذا الوضع لا يمكن أن يكون إلا بتصعيد الفعل النضالي، وتوحيد صفوف كل القوى الديمقراطية داخل الجامعة وخارجها، من طلبة وأساتذة وإطارات نقابية وحقوقية. فالمعركة اليوم ليست فقط ضد اقتحام (أمني) هنا أو هناك، بل ضد مشروع متكامل يستهدف تصفية ما تبقى من الجامعة كفضاء حر.
إن الدفاع عن الجامعة هو دفاع عن الحدود الفاصلة بين السلطة والمعرفة، وبين القمع والحرية، وبين الحق في التفكير، في الاختلاف، في التنظيم، وفي الحلم أيضا. وأي تراجع في هذه المعركة لن يعني سوى فتح الطريق أمام مزيد من القوانين التخريبية، ومزيد من المجالس الوصية الغير المشروعة، ومزيد من العسكرة المقنعة.
لهذا فإن استمرار النضال ليس خيارا، بل ضرورة تاريخية تفرضها خطورة المرحلة.
