تقرير – مدريد
لم تكن جلسة مجلس النواب الإسباني، المنعقدة الخميس 3 سبتمبر، مجرد جلسة برلمانية لمناقشة أزمة الهجرة في سبتة. فقد تحولت إلى واحدة من أكثر الجلسات حدة في الخطاب السياسي الإسباني تجاه المغرب، وسط اتهامات للرباط بالمسؤولية عن موجة العبور الجماعي التي شهدتها المدينة، وانتقادات مباشرة للملك محمد السادس وصلت، في بعض المداخلات، إلى عبارات بالغة القسوة والإهانة.
الجلسة جاءت في أعقاب دخول عشرات الآلاف من الأشخاص إلى سبتة خلال أواخر يوليو، وفي ظل جدل إسباني واسع حول ما إذا كان ما حدث مجرد أزمة هجرة أم عملية ضغط جيوسياسي استُخدمت فيها الحدود والهجرة كورقة سياسية.
وكان رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز قد حضر إلى البرلمان لتقديم تفسير حكومته للأحداث، مؤكدًا عدم وجود أدلة حاسمة تثبت أن المغرب خطط للعملية، مع اعترافه في الوقت نفسه بأن القوات المغربية سمحت، خلال مرحلة من الأزمة، بعبور أعداد كبيرة من المهاجرين.
من أزمة حدود إلى محاكمة سياسية للمغرب
المثير في جلسة الخميس لم يكن فقط مضمون الموقف الحكومي الإسباني، وإنما حجم التصعيد السياسي داخل البرلمان. فقد تعرض المغرب والملك محمد السادس لهجوم مباشر من عدد من النواب. وكان أبرز التصريحات ما صدر عن النائب غابرييل روفيان، الذي وصف الملك محمد السادس بأنه «قاتل»، واتهم المغرب باستخدام البشر كـ«وقود» في أزماته السياسية، كما تحدث عن دور الولايات المتحدة وإسرائيل في الأزمة، معتبرًا أن الرباط يمكن أن تستخدم ملف الهجرة متى أرادت أو متى طلبت منها واشنطن أو تل أبيب ذلك.
وهنا تكمن خطورة المشهد بالنسبة إلى الرباط، فالقضية لم تعد مجرد خلاف دبلوماسي بين دولتين جارتين، وإنما بدأت تتحول داخل المؤسسة التشريعية الإسبانية إلى نقاش حول طبيعة النظام المغربي ودور الملك، واستخدام المغرب للهجرة والسيادة والنفوذ الإقليمي كأدوات ضغط.
وأمام هذا التصعيد، يبرز سؤال أكثر إحراجا من مضمون الاتهامات نفسها، كيف سيرد المغرب؟
فالرد على تصريحات صدرت عن نائب أو مجموعة من النواب أمر يمكن التعامل معه باعتباره جزءا من السجال السياسي الداخلي الإسباني. لكن عندما يتحول البرلمان إلى منصة تتوالى منها الاتهامات الخطيرة بحق رأس الدولة المغربية، يصبح الصمت الرسمي أو الاكتفاء بردود دبلوماسية محدودة محل تساؤل.
المفارقة أن المغرب الذي راكم خلال السنوات الماضية أوراق قوة مهمة في علاقاته مع أوروبا، خصوصا في ملفات الأمن والهجرة ومكافحة الإرهاب والتجارة والطاقة، يجد نفسه اليوم أمام اختبار مختلف، فكيف يستخدم أوراق القوة عندما يتعرض رأس الدولة نفسه لهجوم سياسي وإعلامي بهذا المستوى؟
لكن الرباط قد تكون أمام معضلة حقيقية في حالة رد قوي الذي قد يفتح مواجهة سياسية مع مدريد، بينما الصمت قد يُقرأ داخل الرأي العام المغربي باعتباره عجزا عن الرد.
هل فقد المغرب القدرة على المناورة؟ وهل أصبح هامش المناورة المغربي أضيق مما كان عليه؟
المؤشرات السياسية تقول إن هامش الحركة بات أكثر تعقيدا. فإسبانيا عضو في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، والمغرب مرتبط معها بشبكة واسعة من المصالح الأمنية والاقتصادية والهجرة. وفي المقابل، فإن الرباط لا تريد بالضرورة تحويل أزمة سبتة إلى أزمة شاملة مع مدريد وبروكسل.
ولهذا تبدو الدبلوماسية المغربية أمام معادلة صعبة، كيف ترد بقوة من دون أن تدفع ثمنا استراتيجيا أكبر؟ وهنا تحديدا يمكن فهم لماذا قد تختار الرباط أحيانا الصمت أو الردود المحسوبة بدل الدخول في حرب تصريحات مفتوحة.
سبتة تكشف هشاشة العلاقة المغربية ـ الإسبانية
الأزمة الحالية أعادت إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا حساسية في العلاقات الثنائية؛ سبتة ومليلية. فالمغرب لم يتخل تاريخيًا عن مطالبته بالمدينتين، فيما تعتبرهما إسبانيا جزءا من أراضيها وتؤكد أن سيادتهما غير قابلة للتفاوض.
وقد ظهرت خلال الأيام الأخيرة تصريحات مغربية جديدة تؤكد استمرار المطالبة بسبتة، بالتوازي مع تأكيد الرباط أن إسبانيا تظل شريكا أساسيًا. وهذا التناقض هو جوهر العلاقة، بين شراكة استراتيجية من جهة، وصراع سيادي غير معلن من جهة أخرى.
وماذا عن إسرائيل؟
بعض الأصوات داخل البرلمان الإسباني لم تكتفِ بتحميل الرباط المسؤولية، بل ربطت ما يحدث بعلاقات المغرب مع إسرائيل والولايات المتحدة. روفيان ذهب أبعد من ذلك عندما تحدث عن استخدام المغرب للهجرة بناءً على طلب واشنطن أو تل أبيب.
الرد المغربي.. غائب أم مؤجل؟
حتى الآن، لا يبدو أن الرباط اختارت الدخول في مواجهة مباشرة مع البرلمان الإسباني، وقد يكون ذلك ضعفا، وقد يكون حسابا دبلوماسيا متعمدا.
لكن سياسيا، ثمة فارق كبير بين الصمت التكتيكي والعجز عن الرد.
إذا كان الصمت جزءا من استراتيجية دولة، فإن المغرب يستطيع في مرحلة لاحقة استخدام أوراقه السياسية والاقتصادية والأمنية للضغط على مدريد.
أما إذا كان الصمت نتيجة فقدان القدرة على المناورة، فإن جلسة البرلمان الإسباني تكون قد كشفت خللا أكبر بكثير من مجرد أزمة سبتة. جيث كشفت أن المغرب قد يمتلك أوراقا كثيرة، لكنه لا يستطيع استخدامها بسبب فقدانه لقراره الوطني.
