- عماد العتابي
أثناء التواجد “اليهودي” في بعض قرى وبلدات الريف، وضمن السياق التاريخي والاجتماعي الذي حكم منطقة الريف لقرون، تشكّلت أعراف محلية خاصة بتنظيم العلاقة بين السكان والمجالات الأرضية. ومن بين هذه الأعراف، ما كان يتعلق بملكية الأراضي، حيث سادت قيود اجتماعية على تمليك الأرض لليهود، في إطار منظومة تقليدية كانت تحكمها اعتبارات الانتماء القَبَلي وطبيعة التنظيم المحلي.
وفي المقابل، لم يكن ذلك يعني إقصاء تاما من الحياة الاقتصادية أو الاجتماعية، إذ كان المجال مفتوحًا أمام “اليهود” الريفيين لممارسة أنشطتهم التجارية والحرفية، والاندماج في الدورة الاقتصادية اليومية، إضافة إلى تمكينهم من ممارسة شعائرهم الدينية داخل أماكن عبادتهم في إطار من التعايش والتسامح والاحترام الذي طبع الحياة في الريف.
وقد ارتبط هذا الواقع التاريخي بطبيعة البنية الاجتماعية في الريف، حيث كان معيار الانتماء إلى الأرض يرتبط أساسا بالفعل المباشر في حمايتها واستغلالها ضمن الجماعة المحلية. لذلك تشكلت في الذاكرة الشعبية فكرة مركزية مفادها أن الارتباط بالأرض لا يُقاس فقط بالإقامة أو النشاط الاقتصادي والثقافي، بل أيضًا بدرجة المشاركة في الدفاع عنها في فترات التهديد والصراع.
وفي هذا السياق، لم تُسجل في الروايات المحلية المتداولة وفي التاريخ الحديث المكتوب، مساهمات عسكرية مباشرة لـ “يهود الريف” في المواجهات المسلحة التي عرفتها المنطقة ضد الغزوات الأجنبية، إذ ارتبط الدور الأساسي في تلك الفترات بالبنية القبلية المحلية التي تولّت مهمة الدفاع والمقاومة.
ومع ذلك، فإن هذا الطرح لا ينبغي أن يُفهم باعتباره إلغاءً لدور أي مكون من مكونات المجتمع الريفي، بل هو توصيف لسياق تاريخي معقد، تعددت فيه الأدوار بين العمل، والتجارة، والحرف، والإدارة، والدفاع، ضمن منظومة اجتماعية لم تكن أحادية أو بسيطة.
إن قوة التاريخ لا تكمن في اختزاله، بل في فهم تعقيده. فالأرض التي تشكلت عبر قرون من التفاعل الإنساني لا يمكن حصرها في رواية واحدة، لكنها في الوعي المحلي تظل مرتبطة بمعيار من عاشها ومن خدمها، ومن دافع عنها حين كان ذلك ضروريا.
وتبقى الأرض في الريف وفي عموم المغرب أكثر من مجرد مجال جغرافي؛ إنها ذاكرة جماعية حيّة، لا تُختزل في ادعاء، ولا تُمنح بالشعارات، بل تُفهم عبر التاريخ الحقيقي لمن صنعوا حضورها واستمرارها.
إن ذاكرة الريف ليست صفحة يمكن إعادة كتابتها بسهولة، ولا مجالا لتبادل الادعاءات. فهي أرض تشكلت هويتها من التضحية والصمود، لا من الحضور الرمزي أو الوجود العابر.
ومن يتحدث عن هذه الأرض، عليه أن يدرك أن شرعيتها في الوعي الجماعي لم تُبن على الكلام، بل على التاريخ الفعلي، وعلى ثمن دُفع فيها من دماء وأرواح لا تزال آثارها شاهدة في الجبال والوديان.
لهذا، تبقى الكلمة الأخيرة للأرض نفسها، فهي تعرف من سقاها وزرعها وحرثها، ومن وقف دفاعا عنها، ومن كان مجرد عابر في هامشها.
