تحليل/
سقط منذ ساعات الفريق أول محمد علي أحمد الحداد، رئيس أركان قوات حكومة الوحدة الوطنية في ليبيا، في حادث طائرة من طراز Dassault Falcon 50 على الأراضي التركية، بالقرب من منطقة “هايمانا” جنوب أنقرة. على متن الطائرة كان أربعة من كبار القادة العسكريين وثلاثة من طاقم الطائرة، فيما أعلنت السلطات التركية أن الحادث ناجم عن عطل فني.
لكن الحادث أثار تساؤلات واسعة حول احتمالية كونه مجرد حادث أم عملية اغتيال مخططة، خاصة في ظل الدور الاستراتيجي الذي كان يلعبه الحداد في محاولاته لتوحيد الجيش الليبي وإنهاء الانقسام الطويل بين الشرق والغرب.
منذ توليه منصب رئيس الأركان عام 2020، ركّز الحداد على مشروع توحيد الجيش الليبي، وهو مشروع يرى فيه الكثيرون تهديدًا مباشرًا لمصالح قوى إقليمية ودولية. ليبيا، منذ 2011، مقسمة بين الغرب، الذي تمثل حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس وتدعمه تركيا، والشرق الذي يسيطر عليه الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر ويدعمه الروس، ويضم حقول النفط والغاز الأكثر استراتيجية. كان الحداد يسعى إلى إنشاء جيش وطني موحد ومستقل، ما يعني تقليل الاعتماد على القوات الأجنبية والمرتزقة، وهو ما يهدد مصالح كل طرف يربح من الانقسام والفوضى المستمرة.
تركيا، التي تتحكم في الغرب الليبي ولها قواعد عسكرية وعقود اقتصادية بمليارات الدولارات، كانت ترى في الحداد حليفًا وفي الوقت نفسه تحديًا. مشروع الحداد لتوحيد الجيش الليبي كان يهدد مصالحها، إذ يعني خروج القوات الأجنبية، بما فيها القوات التركية، من البلاد. ومع ذلك، اغتياله على أراضيها سيكون أمرًا دبلوماسيًا حساسًا للغاية، وهو ما يضع احتمالية تورطها في دائرة التكهنات بحدود 60٪، وفق تقديرات متخصصة.
أما روسيا، فمصالحها في الشرق الليبي واضحة تمامًا. بعد تراجع نفوذها في سوريا وفقدانها أدوات الضغط على خصومها في البحر المتوسط، باتت ليبيا الأمل الوحيد للحفاظ على موقع استراتيجي في المنطقة، من خلال دعمها لحفتر وسيطرتها على حقول النفط والغاز في الشرق. مشروع الحداد لتوحيد الجيش كان سيخرج روسيا من المعادلة بشكل كامل، ما يجعل احتمالية استفادتها من غياب الحداد مرتفعة جدًا، ويُقدرها بعض المحللين بنسبة تصل إلى 90٪ نظرًا لقدرتها التقنية وخبرتها في مثل هذه العمليات.
إسرائيل أيضًا لها مصلحة غير مباشرة في استمرار الانقسام الليبي. مشاريع الغاز في شرق المتوسط، بما فيها خط EastMed، تعتمد على استمرار ضعف الدولة الليبية لضمان عدم اعتراضها على مشاريع الطاقة الإقليمية. وجود قائد مثل الحداد، يسعى لتوحيد الجيش وبناء دولة قوية، كان يمثل عائقًا أمام هذه المشاريع. ومع ذلك، صعوبة تنفيذ عملية اغتيال مباشرة داخل تركيا تقلل من احتمال تورطها بشكل رئيسي، ويُرجح أن يكون دورها ثانويًا، بنحو 50٪ من الاحتمال.
على الصعيد المحلي، يمثل المشير خليفة حفتر المستفيد المباشر من وفاة الحداد، إذ يعيد الحادث الوضع في الشرق الليبي إلى الانقسام التقليدي، ويعزز السيطرة الجزئية لحفتر على المناطق النفطية والاستراتيجية. مشروع الحداد كان يشكل تهديدا وجوديا له، فغيابه يتيح له الاحتفاظ بنفوذه دون منافسة حقيقية داخل المشهد العسكري والسياسي الليبي.
في النهاية، يظل الخاسر الأكبر هو الشعب الليبي، الذي فقد قائدًا كان يسعى لإعادة الدولة إلى مشروعها الوطني الموحد. وفاة الحداد تعيد ليبيا إلى دائرة الانقسام والفوضى، حيث يستمر كل طرف محلي أو أجنبي في استغلال الفراغ السياسي لمصلحته الخاصة، تاركًا البلاد في وضع هش وغير مستقر، مع تزايد التدخلات الأجنبية وتداخل المصالح الدولية.
