برلين/ ألمانيا
في لحظة دولية تتسم بتصاعد الشكوك وتآكل اليقين الأمني، تعود ألمانيا إلى إعادة رسم ملامح علاقتها مع مفهوم “القوة” بعد عقود من الحذر التاريخي. فالقانون الجديد للخدمة العسكرية، الذي دخل حيّز التنفيذ في يناير 2026، لا يمكن قراءته بوصفه مجرد إجراء إداري عابر، بل هو جزء من تحوّل تدريجي في عقل الدولة الألمانية، تحوّل يعكس انتقالها من مرحلة الاطمئنان الاستراتيجي إلى مرحلة الاستعداد الدائم.بر
ينص القانون على ضرورة حصول الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 17 و45 عاما على إذن من الجيش إذا أرادوا البقاء خارج البلاد لأكثر من ثلاثة أشهر. ورغم أن وزارة الدفاع الألمانية سارعت إلى التأكيد بأن هذا الإجراء لن يغيّر فعليا من حياة المواطنين، وأنه يظل في إطار تنظيمي بحت، فإن أهمية القرار لا تكمن في تطبيقه اليومي، بل في دلالاته العميقة وما يعكسه من إعادة ترتيب للأولويات.
لفهم خلفية هذا التحرك، لا بد من وضعه في سياقه الحقيقي. فمنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، دخلت أوروبا مرحلة جديدة عنوانها “اللايقين الأمني”. وبالنسبة لألمانيا، التي بنت سياستها لعقود على تقليل الانخراط العسكري والاعتماد على التحالفات، شكّلت هذه الحرب نقطة تحوّل مفصلية. فجأة، لم يعد السلام في القارة مسلّمة، ولم يعد ممكنا تأجيل الأسئلة الصعبة المتعلقة بالجاهزية العسكرية.
في هذا السياق، يبدو القانون الجديد كأداة ضمن مجموعة أدوات تهدف إلى إعادة بناء القدرة على التعبئة. فالدولة، ببساطة، تريد أن تعرف أين يوجد مواطنوها القادرون على الخدمة، وأن تضمن إمكانية الوصول إليهم عند الحاجة. وهذه ليست مسألة بيروقراطية بحتة، بل جزء من تصور أوسع لإدارة الموارد البشرية في حالات الطوارئ، خاصة في ظل النقاش المتصاعد حول مستقبل التجنيد الإجباري، الذي تم تعليقه في عام 2011 لكنه لم يُلغ قانونيا.
غير أن ما يمنح هذا الإجراء ثقله الحقيقي هو طابعه الرمزي. فاشتراط إذن عسكري للإقامة الطويلة في الخارج، إن كان شكليا في الوقت الراهن يعيد إلى الواجهة منطق الدولة التي تستعد لاحتمالات قصوى.
إنه يعكس تحولاً من نموذج “الدولة المدنية المنفتحة بلا قيود” إلى نموذج أكثر حذراً، يحتفظ بأدوات السيطرة والتعبئة في الخلفية، جاهزة للاستخدام إذا تغيرت الظروف.
ورغم محاولات التهدئة الرسمية، فإن النقاش الذي رافق القانون يكشف عن قلق أعمق داخل المجتمع الألماني نفسه: إلى أي مدى يمكن أن تذهب البلاد في إعادة تسليح نفسها؟ وهل هذا المسار مؤقت تفرضه الظروف، أم أنه بداية لمرحلة طويلة من إعادة تعريف الدور الألماني في أوروبا والعالم؟
في النهاية، لا يتعلق الأمر فقط بنص قانوني أو بإجراء إداري محدود التأثير، بل بسؤال استراتيجي أكبر يتجاوز ألمانيا نفسها، فهل نحن أمام عودة تدريجية لمنطق الاستعداد للحرب في أوروبا؟ أم أن هذه الخطوات تبقى في إطار الردع والاحتياط، دون أن تعني بالضرورة اقتراب مواجهة عسكرية؟
وهنا تحديداً تتبلور المفارقة، فكلما أكدت الحكومات أن الإجراءات “احترازية فقط”، زادت الحاجة إلى طرح السؤال الذي يتجنب الجميع الإجابة عنه بوضوح، هل الاستعداد للحرب هو أفضل وسيلة لمنعها، أم أول خطوة على طريقها؟
