في خضم الضجيج الذي رافق التسريب لاجتماع لجنة الأخلاقيات، مرّت جملة واحدة قالها يونس مجاهد مرورًا عابرًا على كثير من المتابعين، رغم أنها في نظري كانت النقطة الأكثر حساسية في كامل الشريط. الجملة جاءت بصيغة مقتضبة لكنها دالة:
“Un petit mot للسي النباوي ويقضي الغرض.”
ورغم بساطتها الظاهرية، إلا أن وقعها كان ثقيلاً، لأنها بدت أنها تحيل إلى شكل من أشكال التواصل الدائم غير المعلن مع مسؤول قضائي رفيع، هو الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية. ولعل هذا ما جعل تلك العبارة تثير تساؤلات تتجاوز حدود الجلسة نفسها، لتلامس عمق علاقة الإعلام بالقضاء في المغرب.
ليس الهدف هنا إثبات ما إذا كانت الجملة تعكس واقعًا فعليا أم مجرد تعبير عابر داخل سياق خاص. لأن الطريقة التي قيلت بها، والنبرة الواثقة التي ظهرت في صوت مجاهد، تظهر بشكل جلي وجود اعتياد على “قضاء أغراض” في ملفات معينة. وفي بلد شهد خلال العقد الأخير محاكمات طالت صحافيين ونشطاء وفاعلين في الحركات الاجتماعية، فإن أي تلميح حتى لو كان عابرًا بوجود قنوات تأثير غير رسمية على القضاء يصبح مادة للريبة، ويستحق تفكيكًا جادًا.
المفارقة أن معظم النقاشات التي تبعت التسريب انشغلت بالتفاصيل الثانوية، من قال ماذا؟ من انزعج ممّن؟ من رفع صوته، من دخن الشيشة ومن أشعل سيجارة؟ أما الجملة التي كان يفترض أن تكون محور النقاش، فقد تُركت في الهامش. حتى أولئك الذين عاشوا مرارة المحاكمات، واعتبروا أنفسهم ضحايا “قضاء التعليمات”، لم يتوقفوا عند هذه النقطة بالقدر الكافي.
قد يُعزى هذا التجاهل إلى حساسية الموضوع، أو إلى الخوف من فتح باب مواجهة مباشرة مع مؤسسة تُعدّ العمود الفقري للدولة وأداتها تكميم الأفواه المزعجة. وقد يكون السبب أيضًا أنّ الكثيرين لم يريدوا، أو لم يجرؤوا، على الذهاب إلى السؤال الجوهري المباشر؛
هل تكشف عبارة “Un petit mot للسي النباوي ويقضي الغرض” عن وجود تداخل فعلي بين النفوذ الإعلامي وبعض دوائر القرار القضائي، أم أنها مجرد سقطة لفظية؟
في العمق، تكمن خطورة الجملة في أنها تعيد إحياء نقاش قديم حول استقلالية القضاء حين يتعلق الأمر بالصحافة والاحتجاجات والملفات ذات الطبيعة الحقوقية والسياسية. ذلك النقاش الذي اشتعل عقب اعتقالات حراك الريف، واعتقالات 20 فبراير، وجيل زاد وملفات صحافيين مثل عمر الراضي وهاجر الريسوني عفاف برناني وآخرين، حيث كان كثيرون يصفون الأحكام بأنها “ثقيلة” و”موجهة”، بينما كانت المؤسسات الرسمية تؤكد في المقابل استقلال القضاء ودستورية مساراته.
لكت الأخطر في الأمر، ما توحي به “الجملة” من علاقة وظيفية غير معلنة بين بعض الفاعلين في الحقل الإعلامي ومواقع النفوذ القضائي. الذي يهدد المبدأ الذي تقوم عليه العدالة، وهو مسافة الأمان بين القضاء وكل ما هو خارجه.
وما يزيد حساسية الأمر أنّ الحديث جاء على لسان شخصية لعبت أدوارًا محورية في المشهد الصحافي، مما يجعل وقع العبارة ثقيلًا على قطاع يعيش أصلا تحت ضغط كبير يتعلق بالثقة والشرعية المهنية.
لقد كشفت الجملة التي قالها مجاهد ربما أكثر مما قد يكون قاصدا. وربما كانت تلك العبارة القصيرة، التي لم يأخذها كثيرون بجدية، هي المفتاح لفهم هشاشة الخط الرفيع الذي يفترض أن يفصل بين تأثير الإعلام والسلطة القضائية. وهي تضعنا أمام سؤال لا مفر منه؛ هل نحن أمام قضاء مستقل بالفعل، أم أمام مؤسسة لا تزال عرضة لضغوط السياسة ومراكز القرار؟
