الرباط/ المغرب
أثار إشعار رسمي صادر عن سلطات الملاحة الجوية المغربية (NOTAM) موجة واسعة من التساؤلات، بعد أن طلب من شركات الطيران المتجهة إلى المغرب التزود بأقصى كمية ممكنة من الوقود في مطارات الانطلاق، وتقليص الاعتماد على التزود من المطارات المغربية إلا في الحدود الدنيا المرتبطة بمتطلبات السلامة.
الوثيقة، التي جرى تداولها على نطاق واسع عبر منصات متخصصة في شؤون الطيران، تشير بوضوح إلى “قيود مؤقتة في تزويد وقود الطيران بجميع المطارات المغربية”، وتشمل هذه الإجراءات الرحلات التجارية والعارضة (Charter) ورحلات الشحن.
ورغم الطابع التقني للإشعار، فإن مضمونه يفتح الباب أمام سؤال مركزي: هل يواجه المغرب فعلاً أزمة وقود؟
بالتوازي مع انتشار الـNOTAM، أفاد مواطنون في عدد من المدن، خاصة الدار البيضاء وضواحيها، بصعوبات في التزود بالبنزين والغازوال، مع تسجيل نفاد الوقود في بعض المحطات أو تحديد الكميات المسموح بشرائها.
هذه المشاهد تعيد إلى الواجهة هواجس الأمن الطاقي، وتطرح علامات استفهام حول جاهزية منظومة التزود بالمحروقات لمواجهة الاضطرابات، حتى وإن كانت ظرفية.
وزارة الانتقال الطاقي بررت الوضع بسوء الأحوال الجوية التي حالت دون رسو بعض سفن المحروقات في الموانئ المغربية، مؤكدة أن المخزون الوطني الحالي يناهز 617 ألف طن.
غير أن هذا الرقم، وفق معطيات الاستهلاك الوطني السنوي الذي يقارب 12 مليون طن، لا يغطي سوى أقل من ثلاثة أسابيع من الطلب، وهو ما يثير القلق، خصوصاً أن القانون المغربي يلزم مستوردي المحروقات بالتوفر على مخزون احتياطي يعادل 60 يوماً على الأقل من الاستهلاك.
تقارير مؤسساتية وبرلمانية صدرت خلال السنوات الأخيرة نبهت مرارا إلى عدم احترام هذا المقتضى القانوني، دون أن يترتب عن ذلك أي أثر زجري فعلي.
اليوم، ومع أول اضطراب لوجستي محدود، يتضح حجم الهشاشة التي تعيشها منظومة التخزين والتأمين الطاقي، ما يعكس غياب رؤية استراتيجية بعيدة المدى، والاكتفاء بمنطق التدبير اليومي للأزمات.
يزداد الجدل حدة حين يُستحضر أن أكبر فاعل في استيراد وتوزيع المحروقات بالمغرب يرأس في الوقت نفسه الحكومة، وهو ما يضع مسألة تضارب المصالح في صلب النقاش العمومي.
فكيف يمكن لدولة أن تفرض رقابة صارمة على قطاع حيوي، بينما يوجد على رأس السلطة التنفيذية أحد أكبر المستفيدين من هذا القطاع؟
هذا السؤال لم يعد سياسياً فقط، بل تحول إلى سؤال مرتبط بالأمن الاستراتيجي للبلاد.
حتى لو اعتُبر ما يحدث “اضطراباً مؤقتاً”، فإنه يكشف حقيقة مقلقة: المغرب لا يمتلك اليوم هامش أمان مريحاً في مجال المحروقات.
وإذا كانت بضعة أيام من سوء الأحوال الجوية كافية لإرباك السوق، فماذا لو واجه البلد أزمة إقليمية، أو توتراً جيوسياسياً، أو اضطراباً حاداً في سلاسل الإمداد العالمية؟
ما يحدث اليوم ينبغي أن يشكل جرس إنذار حقيقياً لإعادة النظر في سياسة التخزين الاستراتيجي ومنظومة مراقبة احترام المخزون الإجباري، والنظر في استقلالية القرار الطاقي عن المصالح الاقتصادية الخاصة وتنويع مصادر الاستيراد، بالاضافة إلى تسريع الانتقال نحو الطاقات البديلة. فالأمن الطاقي هو أحد أعمدة السيادة الوطنية.
قد لا تكون الأزمة معلنة رسمياً، لكنها موجودة في المؤشرات والوقائع. وأخطر ما فيها أنها تكشف أن المغرب، بعد سنوات من تحرير الأسعار وغياب التكرير الوطني، أصبح أكثر هشاشة أمام أبسط الاضطرابات.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ستتعامل الدولة مع هذا الإنذار بجدية أم سننتظر الأزمة الأكبر؟
