الرباط/ المغرب
في السياسة، لا تكون بعض الأفعال بريئة مهما بدت بسيطة، لأن معناها الحقيقي لا يُقرأ من الصورة وحدها، بل من الموقع الذي خرجت منه، واللحظة التي اختيرت بعناية. من هذا المنظور، يصعب فصل ما قامت به نائبتان برلمانيتان بمحطة القطار الرباط المدينة عن سياقه السياسي، خصوصًا عندما نضع الانتماء الحزبي والمسار البرلماني لكل واحدة منهما تحت المجهر.
إحدى النائبتين هي نجوى كوكاس، عن حزب الأصالة والمعاصرة، الحزب الموجود في قلب الأغلبية الحكومية، والمشارك بشكل مباشر في تدبير الشأن العام. ومع ذلك، اختارت نائبة من حزب حاكم أن تلعب دور “المحتجة” بدل دور المسؤولة، وأن تجلس على أرضية محطة قطار بدل الجلوس تحت قبة البرلمان، حيث توجد كل الآليات الدستورية لمساءلة وزير النقل ومحاسبة المكتب الوطني للسكك الحديدية.
طيلة الولاية البرلمانية، لم يسمع الرأي العام سؤالًا واحدًا، كتابيًا أو شفويًا، من النائبتين حول ظروف استقبال المواطنين في محطات القطار، ولا حول جودة الخدمات المرتبطة بالنقل السككي. لا مداخلات داخل اللجان، ولا نقاشات داخل فرق الأغلبية، ولا مبادرات تشريعية ذات صلة. بدا وكأن هذا الملف لم يكن أولوية، ربما لأن كراسي البرلمان كانت أكثر راحة، وأكثر استقرارًا.
وفجأة، ومع اقتراب نهاية الولاية البرلمانية، تكتشف النائبتان أن محطة القطار المجاورة للبرلمان تعاني خصاصًا في الكراسي. ليس لأن الوضع مستجد، بل لأن الحاجة إلى صورة سياسية جديدة أصبحت ملحّة. وهكذا يتحول مشكل جزئي ومؤقت إلى “قضية رأي عام”، وتُختزل معاناة المواطنين في صورة ولقطة سريعة.
المفارقة الأولى أن هذا “الاحتجاج” جرى خارج المؤسسة التي أُنشئت أصلا لمعالجة مثل هذه الاختلالات. فالبرلمان ليس فضاء للامتيازات فقط، بل إطار دستوري للمساءلة والتشريع ومراقبة العمل الحكومي. ومع ذلك، غابت هذه الوظائف حين كان يفترض تفعيلها، وحضرت فقط حين أصبحت الصورة أقوى من السؤال البرلماني.
أما المفارقة الثانية، فتتعلق بطبيعة المشكل نفسه. فمحطة الرباط المدينة تعرف أشغال تهيئة، وهو ما يفسر وجود نقائص مؤقتة في بعض التجهيزات. كما أن محدودية عدد المقاعد في المحطات ليست وضعا استثنائيا، بل خيارا تنظيميا معمولًا به في عدة دول، وفي هولندا مثلا لا يتجاوز عدد الكراسي في المحطات عدد أصابع اليدين، لأسباب تتعلق بتدبير التدفق والسلامة وطبيعة الانتظار.
لكن الإشكال الحقيقي لا يكمن في الكراسي، بل في رمزية الفعل السياسي. فحين يُضخَّم خلل ظرفي، في توقيت سياسي حساس، ويتحول إلى مادة احتجاجية صاخبة، يصبح من المشروع التساؤل؛ هل نحن أمام دفاع صادق عن المرفق العمومي، أم أمام توظيف ظرفي لمعاناة مفترضة؟
الأكثر دلالة أن إحدى النائبتين تنتمي إلى حزب مشارك في الحكومة، أي إلى موقع يتيح التأثير المباشر وغير المباشر على السياسات العمومية. ومع ذلك، لم يظهر هذا “القلق” على راحة المواطنين إلا في لحظة اقتراب الاستحقاقات، بينما ظل غائبا حين كانت المسؤولية مشتركة، والسلطة متاحة، والآليات الدستورية قائمة.
النقد هنا لا يستهدف حق أي مسؤول في التعبير أو حتى الاحتجاج، بل يطال انتقائية القضايا، وموسمية الغضب، وتحويل الفضاء العام إلى مسرح للرسائل السريعة، بدل العمل المؤسساتي الهادئ والمتراكم. فالمواطن لا ينتظر من ممثليه لقطات وصور، بل سياسات واضحة، ومساءلة مستمرة، وحضورا فعليا داخل البرلمان قبل الشارع.
في النهاية، لا يتعلق النقاش بعدد الكراسي ولا بمكان الجلوس داخل محطة قطار، بل بمصداقية الفعل السياسي نفسه. فحين يغيب الاحتجاج في زمن المسؤولية، ويظهر في زمن الحساب الانتخابي، تصبح الصورة أبلغ من الخطاب.
ويبقى من حقنا أن نتساءل؛ هل كانت القضية فعلا قضية كراسٍ، أم قضية صورة وانتخابات؟
