حاورها عماد العتابي
الجزء الأخير :
ما هي أبرز المشاكل البنيوية التي يعانيها قطاع الصحة في الحسيمة من وجهة نظرك؟
حاليا، بالإضافة لمشكل الخصاص في الأطباء الذي يعد العنوان الأبرز.. يوجد طبعا مشكل غياب مراقبة المسؤولين المحليين بسبب البعد عن الوزارة المركزية، حيث يستغلون بعد المساحة والطابع المنغلق للمنطقة لفعل مايحلو لهم سواء ضد الأطر الطبية والتمريضية، أو فيما يتعلق في الفواتير والصفقات العمومية، إلى غير ذلك من الأمور..
المشكل الآخر هو فشل المستشفى الإقليمي الجديد رغم توفره على مساحة كبيرة وأجهزة طبية متطورة في الحلول مكان المستشفى القديم الذي كان موقعه جد ممتاز في وسط الحسيمة، بخلاف المستشفى الحالي الذي لا تربطه بالمدن المحيطة أي حافلات أو وسائل نقل في المستوى.. مما يعمق من معاناة المرضى، كونه يقع في الخلاء بعيدا عن الحضارة والمحلات والمطاعم، بينما أغلب مرتاديه لا يتوفرون على سيارات.. بالإضافة لمشكل الوصول إليه ليلا..
من جهة أخرى، هناك مستشفيات أخرى تكاد تكون من دون فائدة تذكر كمستشفى إمزورن ومستشفى تارجيست.. بحيث كنا نتكلف بمرضى هذه المدن كليا في الحسيمة، رغم توفرها أحيانا على الأطباء.
هل تعتقدين أن ما حصل لكِ هو حالة فردية، أم أنه جزء من نمط متكرّر في مستشفيات أخرى بالمغرب؟
لا أعتبر نفسي استثناء وإنما القاعدة سواء محليا أو وطنيا.. بل إن حدة الخصاص أكبر بكثير في عدد من المناطق خاصة الجنوبية والشرقية منها.. بحيث قد تجد طبيبا عاما أو اختصاصيا وحيدا يتكلف ليس بمدينة واحدة فقط بل بعدة مدن..
وفي حال عجز عن التصدي لأمواج المرضى وهذا هو المتوقع، أو ارتكب خطأ طبيا بسبب الاحتراق الوظيفي والتعب، فهو يجد نفسه بين مطرقة الإدارة وسندان الرأي العام، وكبش الفداء الوحيد..
ولذلك لم تعد تسمع في السنوات الأخيرة سوى أخبار مغادرة الأطباء للمستشفيات الواحد تلو الآخر، ليس رغبة في الاشتغال في القطاع الخاص كما يحاول بعض المسؤولون تأويل هذا النزيف، وإنما هربا بجلدهم وخوفا على صحتهم ونفسيتهم..
فالاشتغال في القطاع العمومي في ظل تحامل الإدارات والخصاص والغضب الشعبي العارم الذي تحوله الدولة نحو الأطباء وموظفي الصحة، أصبح مغامرة غير محسوبة العواقب..
ما هو الحلّ العاجل الذي ترينه لإنقاذ القطاع في إقليم الحسيمة على الأقل؟
لو كنت محل مسؤول نزيه لارتأيت أولا القيام بجرد وتقييم للوضع الصحي قصد معرفة عدد الأطباء المتبقين حاليا، ومن ثم تقييم عدد الدكاترة اللازم لتحقيق نوع من التوازن، ومن ثم العمل على استقطابهم عبر تحفيزات وتشجيعات..
أيضا لابد من تغيير بعض العناصر الإدارية سواء في المندوبية أو الإدارة المحلية، لأن كل التشجيعات لن تنفع في جلب الأطباء الجدد في ظل استمرار مسلسل الإهانة والشطط الإداري.. بل أعتبر عزل هذه العناصر ومحاسبتها أكبر تحفيز وتطمين ممكن لكل طبيب يفكر في العمل في الإقليم.
كذلك، لا بد من إعادة تشغيل مستشفى محمد الخامس القديم بشكل كامل، وتزويده بالأطباء، بحيث يصبح مستشفى قرب خاصا بمدينة الحسيمة فقط.. مع جعل مستشفى محمد السادس مفتوحا أمام باقي مرضى الإقليم ولكن أيضا أصحاب الأمراض المستعصية بالحسيمة.
ما رسالتك لوزارة الصحة والجهات الرقابية اليوم؟
طيلة سنوات ومنذ كنت ممثلة وناطقة باسم الأطباء المقيمين في المستشفى الجامعي بالرباط، تحدثت مرارا وتكرارا عن مغبة عدم فتح مناصب مالية كافية لتعيين الأطباء، وأن الأمر سيفضي لا محالة لغياب معوضي الأطباء المتقاعدين أو المغادرين وسيعمق من الخصاص، مما سيضطر البقية القليلة الباقية للرحيل..
وهاقد تحققت توقعاتي بالحرف، ليس لأنني منجمة أو عالمة مستقبليات بل لأن الأمور كانت واضحة وضوح الشمس.
وبالتالي، أصبح المرتفقون والمرضى عندما يذهبون للمستشفيات يطالعوننا بصور المصالح الفارغة..
كما ازداد عدد الوفيات سواء بالنسبة للنساء الحوامل أو المرضى الآخرين، والناجم في عدة حالات عن ضرورة نقل الحالات المستعصية مئات الكيلومترات إلى المستشفيات المركزية في المدن الكبرى بسبب عدم توفر المستشفيات الإقليمية على الأطباء والتأخير المترتب.
علما أن مستشفى الحسن الثاني بأكادير مثلا يقوم بمهمة مستشفى جامعي ويستقطب آلاف المرضى ليس من المدينة فقط بل من مختلف مناطق الجنوب، رغم أنه لا يرتقي حتى ليقوم بصفته كمستشفى إقليمي.
ما الدرس الأكبر الذي خرجتِ به من هذه التجربة؟
عرفت أنك كطبيب ستعاني من التصورات السائدة ضدك، بحيث ستصبح محط سخط الساكنة بسبب ضعف العرض الصحي والخصاص، وكبش فداء الدولة.. وستعاني ليس فقط من غياب الاعتبار المادي مقارنة بسنوات الدراسة والجهذ المبذول، بل ستشعر كل يوم ومهما ضحيت ومهما قمت به من مجهودات جبارة تعتبر أضعاف ما ينتظر من طبيب واحد، أنك تصب الماء في الصحراء بدون أي نتيجة.
فمهما قمت به من فحوص وتأذت صحتك بسبب الإرهاق، ستدخل المستشفى تحت وقع الشتائم وتخرج منه تحت وابل من السب والغضب.
كل هذا بينما أنت تواجه انتقام الإدارة واتهاماتها وتحاملها وتسلطها وفخاخها وتحريضها.
وفي نهاية المطاف ستتدمر عزيمتك وتشعر بالخذلان والحسرة مهما كانت شخصيتك أو إرادتك قوية، لأنك كفرد لا بد أن تستسلم مقابل فشل منظومة بأكملها تتركك يتيما أعزل في الميدان، مقابل احتقان شعبي كبير يتم تصويرك فيه على أساس أنك المذنب والمجرم.
بمعنى أنك تعاقب على جهادك ومرابطتك في المستشفى العمومي من دون مقابل مادي محترم بعدما انفض الأطباء أو هاجروا.. إلى أن تغادر بدورك مذموما مدحورا مهما بذلت وقاومت وصبرت..
ما الرسالة التي تودين توجيهها اليوم لزملائك الأطباء الشباب، خاصة في المناطق المهمشة؟
أنصح إخواني الأصغر سنا بألا يستسلموا لوسوسة الشيطان وألا يتعاطوا لما لايرضي الخالق من رشوة أو شهادات محاباة بمقابل مادي لأن الله يمهل ولا يهمل..
أعرف تماما أن الراتب لا يتناسب مع مستواكم الدراسي والمصاريف المطلوبة من الطبيب خاصة إذا كان يعمل في منطقة نائية، مع كل مايتطلبه ذلك من مصاريف التنقل والنفقة على منزلين: أي في مدينة التعيين والمدينة الأصلية، ولكن اصبروا واحتسبوا الأجر لدى خالقكم.. إن الله مع الصابرين.
من جهة أخرى، أطلب منهم الاتحاد وتفعيل النقابات المحلية والنضال وعدم السماح للإدارات باستباحة كرامتهم أو إجبارهم على المحسوبية والزبونية وربما أمور غير قانونية أخرى.
ما الشيء الذي ما زال يؤلمك حين تتذكرين تجربتك؟
تؤلمني ذكرى مرضى السرطان في الحسيمة الذين سيظل البعض منهم بدون تشخيص أو علاج أو متابعة طبية لتطور مرضهم، مما يعني موت العديدين..
وهذا يسري على باقي المرضى أيضا.
يؤلمني أن الإدارة حاولت تدمير سمعتي رغم أنني كنت أبذل أكثر من طاقتي..
يؤلمني أنه كان بإمكاني أن أضع ملفا طبيا للإعفاء من الحراسة والإلزامية، لأنها في الحقيقة كانت تشكل خطراً على صحتي نظرا لأنني أعاني من ارتفاع الضغط المقاوم.
ولكنني أحجمت عن ذلك لكيلا تحرم الساكنة من الاستفادة من الفحوص ليلا.. ولكن كل هذا لم يشفع لي.
فقد غادرت المشفى مهانة بينما ظل المسؤول عن هذا الوضع هناك دون عقاب أو محاسبة..
ونفس الأمر ينطبق على العشرات من الزملاء الذين اضطروا للرحيل بينما كانوا ينوون الاستقرار..
يؤلمني كذلك أنني غادرت القطاع العام ليس بناء على رغبة شخصية، خاصة وأنني لم أفكر يوما في ذلك رغم إغراءات القطاع الخاص. بل أجبرت على ذلك بسبب حفنة من المسؤولين الذين لا يفكرون سوى في مصالحهم الشخصية الضيقة.
يؤلمني أنني وفي ذروة الصراع مع هؤلاء، قمت بطلب انتقال الى طنجة في محاولة للبقاء في القطاع العام ولو في مدينة مختلفة، ولكن تم حرماني من حقي في الانتقال تحت ذريعة غياب المعوض، بينما انتقل بعض الزملاء بشكل مشبوه خارج الحركة الانتقالية..
يؤلمني أنني وضعت أيضا ملفا طبيا كاملا في إطار الانتقال لأسباب مرضية في محاولة للتشبت بالقطاع العام ولكن تم رفضه كذلك..
يؤلمني أنه لم يكن لدي خيار آخر غير المغادرة.
أما من الناحية المادية، فأقسم لكم أنه لو تلقيت أجرة “البريفي” مقابل العمل الذي أديته طيلة الفترة التي قضيتها في الحسيمة – وخاصة في فترة كورونا التي عرفت حاجة ماسة للسكانير الذي لم يكن يتوقف ليلا أو نهارا – أي لو دفع لي أجر وفق المعمول به في القطاع الخاص عن كل تلك الفحوصات لأصبحت مليونيرة..
ولكن صدقوا أو لا تصدقوا، فأنا لم أختر كلية الطب من أجل المال.
إذا عاد بك الزمن، هل كنتِ ستختارين نفس الطريق؟
طبعا، فأنا بعد هذه التجربة لم أعد مغفلة كما كنت سابقا، وأصبحت متأكدة أننا لا نعيش في المدينة الفاضلة، وأنك كطبيب أو موظف صحي في المستشفى الإقليمي ستجد نفسك كما لو كنت بطلا في أحد أفلام الأكشن والمافيات والعصابات.. وستحتاج لاستعمال أساليب ومهارات قتالية لم تتلقاها في كلية الطب للدفاع عن نفسك والصمود والبقاء على قيد الحياة..
ماذا تمثل لك الحسيمة؟
الحسيمة، إذا ما استثنينا مشاكل المستشفى والكابوس والصدمات التي عشتها داخلها، أعتبرها مدرسة طبية تشرفت بمعرفة العديد من الأطباء الممتازين داخلها والذين أصبحوا بعد اضطرارهم للمغادرة أساتذة كبارا أو مديري مصحات أو أصحاب عيادات نموذجية أو أطباء استثنائيين.
الحسيمة أيضا كونها بؤرة للسرطان والأمراض المستعصية، مكنتني من إثراء تكويني الطبي، وإغناء تجربتي العلمية والعملية بخلاف بعض المناطق التي لا تتوفر على أية أجهزة بحيث ينسى الطبيب كلما درسه.
بخلاف إقليم الحسيمة الذي كان يعد فيها نشاط المستشفى من بين الأكبر وطنيا رغم زيف الإحصائيات الممنوحة لوزارة الصحة..
هذه المعطيات سمحت لي بتطوير نفسي ومساعدة الكثيرين من للمرضى دون أن أنتظر منهم جزاء ولا شكورا، ودون معرفتهم بقيمة تلك الخدمات، والثمن الذي ندفعه يوميا كأطباء وموظفين، خاصة خلال جائحة كورونا..
الحسيمة هي الحب والجمال والأمن والأمان والشواطئ والجبل، واحترام الجيران، ومساعدة الغرباء لي..
أتذكر كيف كان يهب الحسيميون لمساعدتي في حال وقوع عطب في السيارة أو أي مشكل رجالا ونساء.. ناهيك عن عدة مواقف إنسانية تجيش لها النفس حنانا وتتساقط العبرات امتنانا.
وفي الأخير ، عاش الريف وعاش المغرب ولا عاش من خانهما..
