حاورها : عماد العتابي
الجزء الثاني :
ما الذي جعلكِ تختارين نشر قصتك بهذا الشكل العلني على وسائل التواصل الاجتماعي؟
أنا وعدد من الزملاء كنا ننوي متابعة ذلك المسؤول وشريكه في المحكمة الادارية، ولكننا كنا في حالة صدمة وانهيار عصبي بعد مغادرتنا القطاع العام بتلك الطريقة الاضطرارية.. كما كان علينا تدبر مرحلة ما بعد الرحيل، فالعيادات لا تنتظر الأطباء ولا تسقط من السماء كما يتخيل البعض.. خاصة عندما يتعلق الأمر بتخصص الأشعة مثلا الذي يستلزم استثمارا ضخما ليس في متناول الجميع.
وعليه توجب علينا الشروع في رحلة البحث عن عمل، ولكن أيضا التداوي من تبعات الصدمة التي حلت بنا في القطاع العام. من جهة أخرى لم يكن من الممكن سابقا الحديث عن هذه الأمور خوفا من المتابعة القضائية بسبب التشهير والمساطر القانونية.ولكن مادام ريح التغيير قد هب على البلاد، فقد قررت المغامرة بالاعتماد على شهادة الشهود وثقة الساكنة المحلية وخزان تعاطف المتابعين الذين خبروا حرصي على الصدق لعشرات السنوات على صفحاتي.
وبما أنني أحرص على خصوصيتي وأكره الكاميرات، فأنا لم ألجأ لتقنية الفيديو كما فعل زملاء آخرون، بل اكتفيت بالكتابة على صفحتي التي يتابعها أكثر من 300.000 ألف شخص في محاولة لإيصال صوتي أنا وزملائي وجبر الضرر. ولكن خصوصا لإنقاذ ساكنة الريف والحسيمة من براثن تلك العناصر التي نعتبر أنها دنست الإدارة، وجعلت إقليم الحسيمة منطقة منبوذة من طرف الأطباء الجدد الذين سيقاطعونها مادام أولئك الأفراد على رأس المستشفى هناك.
أشرتِ إلى أن المستشفى أصبح شبه فارغ من الأطباء، خصوصًا في قسم الأشعة. ماذا عن المصالح الأخرى ؟
هل لديك أرقام تقريبية ؟صحيح، عندما غادرنا أنا وزميلتي قسم الأشعة، ظلت المصلحة فارغة لعدة شهور.. علما أن أي مشفى بدون أطباء تصوير طبي يعتبر عقيما وغير فعال. بالنسبة للبقية فليست لدي الأرقام الحالية..
ولكن عندما غادرت، كان عدد أطباء الأشعة قد انتقل من 3 في الأصل ل0، وأطباء جراحة الأطفال من 4 إلى صفر، وطب القلب والشرايين من 3 لصفر، وطب الإنعاش من خمسة لاثنين، وطب النساء والتوليد من 4 ل2..أما عدد الأطباء الآخرين فكان 1 في طب العيون، 1 في طب الأنف والحنجرة مقابل اثنين، صفر في جراحة الفك والوجه مقابل اثنين، طبيب في جراحة العظام مقابل 3 في الأصل، 1 طبيب في تخصص المسالك البولية مقابل 3 في الأصل، طبيبة واحدة في الأمراض الباطنية، وكذلك في أمراض الدم، وطبيب واحد في أمراض الغدد والسكري، وطبيبة واحدة في الأمراض النفسية تم تحميلها المستحيل وعاشت ويلات الجحيم.
ما هو التأثير المباشر لهذه الأزمة على المرضى وسكان الإقليم؟
إقليم الحسيمة لمن لا يعرفه جد ممتد ويفتقر للمستشفيات، ويستقطب المرضى من عدة مراكز حضرية ومداشر وقرى سواء في السفح أو الجبل، ضمن المنطقة التي تقع مابين الناظور والدريوش شرقا والجبهة غربا وتاونات جنوبا.. كما أنه يتوفر على مصحة خاصة واحدة تقريبا وعدد جد محدود من الأطباء الخواص.
هذا الإقليم أيضا بعد بؤرة للسرطان في المغرب، بينما لا يتوفر سوى على معهد أنكولوجيا واحد ليس به أطباء أشعة، بل نحن من كنا نتكلف بهذه المهمة.. بالاضافة لصحة المرأة والطفل، وكل مرضى المستوصفات والمراكز الصحية، وكل الحالات المستعجلة وماأكثرها، والتي تتضاعف أضعافا مضاعفة خلال الفترة الصيفية.. ناهيك عن كل الحالات الباردة التي تستلزم مواعيد.. مما يعني أن المستشفى لم يكن ينقطع فيه العمل ليلا أو ونهارا.
علما أنه وخلافا للتصورات الشائعة، فالقدرة الشرائية والمستوى المادي لأغلبية سكان المنطقة -التي تعد من بين الأغلى والأكثر تضخما في المغرب- ضعيف في الحقيقة.. مما يجعل اللجوء للقطاع الخاص إمكانية مستبعدة ومستحيلة لدى الأغلبية.
أما الآن وبعد ازدياد حدة الخصاص في المستشفى، وخاصة بعدما تم تحويل أغلب الخدمات الصحية من مستشفى محمد الخامس إلى المستشفى الإقليمي محمد السادس الجديد الذي يبعد عن كل من إمزورن والحسيمة بحوالي 7 أو 8 كيلومتر.. فقد أصبح الاستشفاء بمثابة كابوس بالنسبة للسواد الأعظم.. بحيث تتعالى الطلبات في كل مرة لمناشدة المحسنين قصد نقل بعض المرضى خارج المنطقة للتداوي.
من جهة أخرى، كان الأطباء سابقا ورغم قلة عددهم يحاولون بذل أقصى جهدهم رغم قصور المعدات والإمكانيات لعلاج السكان محليا، ولكن الآن وفي ظل النقص الحاد في بعض التخصصات، وعزوف الأطباء الجدد عن المجيء، فقد تفرق عدد من المرضى على مصحات طنجة وتطوان وفاس ووجدة والرباط، مع الاعتماد كليا على الاقتراض أو عطاء المحسنين من أجل توفير مصاريف التنقل والمبيت والاستشفاء في القطاع الخاص.. وقد استقيت أنا شخصيا شهادات من طرف البعض من هؤلاء وهم يذرفون الدموع بعدما عانوا الأمرين، أي الخصاص وضرورة الاستدانة والتنقل من أجل العلاج.
هل حاولتِ التواصل أو التبليغ رسميًا عن هذه التجاوزات قبل أن تنشريها للعلن؟ وكيف كان ردّ المسؤولين إن حدث ذلك؟
عندما كنا في المستشفى، قمنا ببعض المراسلات الإدارية مع احترام السلم الإداري من أجل دق ناقوس الخطر والمطالبة بالمزيد من الأطباء بعد وصولنا مرارا لدرجة الاحتراق المهني. وهناك من الزملاء من راسل وزير الصحة حينها، ولكن هذه المراسلات إما لم تكن تصل إلى المديرة الجهوية للصحة والوزير أساسا، أو كانت تظل دون جواب.أما فيما يخص النقابات، فنقابتنا المستقلة في الإقليم كانت غير مفعلة، بحيث كان الأطباء يتحينون أي فرصة للنوم بعد الإلزاميات المرهقة أو الاهتمام بشؤون أبنائهم الذين لا يرونهم إلا لماما.
وبالتالي كلما كنا نحاول جمع الشتات والاتحاد لمواجهة تسلط الإدارة لم يكن الأطباء يجتمعون في إطار نقابي ويظل الحال على ماهو عليه.. أي أن كلا منهم كان يتلقى الضربات من طرف نفس الأشخاص في صمت.حاولت كذلك الاتصال بالنقابة المركزية باسمي وباسم أطباء الحسيمة، وبهيئة الأطباء من أجل المساعدة أو استصدار بيان ولكن كان الرد جد بارد ودون المستوى، على الأقل فيما يخص الأشخاص الذين اتصلت بهم..بالإضافة لذلك، حاول الأطباء عبر شخصي الاتصال بنائب برلماني عن المنطقة والذي رد على اتصالنا في البداية، ولكن بمجرد معرفة اسم المسؤول موضوع الشكاية، لم يعد يرد.
تحدّثتِ عن “الظلم والأذى” و”الأرق الذي عاناه والداك بسبب الإهانات التي لحقت بك”. كيف أثّرت هذه التجربة فيكِ نفسيًا ؟
في البداية لم أكن أخبر والدي بكل مايحدث وأكتفي ببعض التلميحات خوفا على صحتهما، خاصة وأنهما كانا يعيشان بعيدا عني. ولكن مع تصاعد منحى الأذى وتحريض الإدارة للساكنة ضدي، مما أصبح يشكل خطراً مباشرا على سلامتي الجسدية، اضطررت للإفصاح عن المزيد، فكانت النتيجة إصابة والدي بوعكة صحية مفاجئة اضطر معها للذهاب للمستشفى على وجه الاستعجال، بينما كنت أتابع الوضع عبر الهاتف لأنني كنت في إلزامية.
كذلك أصيبت والدتي بعدها بشهور بالتهاب مزمن في المعدة، أعطى في البداية أعراضا مشابهة لبوادر النوبة القلبية، ولم أستطع السفر إليها لأنني كنت مرة أخرى في إلزامية..وربما هان كل الأذى والهوان الذي أصابني مقارنة بالأذى الذي تسببت به لا إراديا لوالدي.. فأنا حرصت طيلة حياتي على الانضباط والتفوق الدراسي في محاولة لتجنيبهما أي قلق أو حزن..
وولجت كلية الطب أساسا لتحقيق حلمهما، فإذا بهذا التفوق وهذا الإنجاز يصبح مصيبة في بلد لا يعترف بالمجتهدين ويذل الأطباء، فقسم منهم يهاجر والقسم الآخر يعاني الويلات. وأنا هنا طبعاً لا أتحدث عن الدكاترة المفسدين.
هل كنتِ خائفة من العواقب أو من الانتقام الإداري بعد ما نشرتِه؟
فضح أمور كهاته بينما لا زال الطبيب موظفا في القطاع العمومي يعرضه للتوقيف والمجالس التأديبية.. أما وقد غادرت المستشفى نهائيا فأنا أعيش أنا وأسرتي في ظل خشية المتابعة القضائية بتهمة التشهير رغم صدق أقوالي، لأن هذا الاحتمال يعتبر واردا.
ولكن من جهة أخرى ، فلدي عدد من شهادات الشهود من ضحايا المسؤول المعني في عدة مدن.. كما وصلتني عدة رسائل تضامن من محامين وجمعيات وصحفيين ونقابات يعلنون فيها عن تضامنهم العفوي والمطلق، وعن استعدادهم لمؤازرتي سواء من الناحية الإعلامية أو القانونية في حال تعقدت الأمور.. وهذه مؤشرات تبعث على الاطمئنان.. وفي جميع الأحوال يظل الله عز وجل حسيبي ووكيلي الأحد الصمد..
