الدار البيضاء/
ليست “الوفيات” داخل مخافر الشرطة في المغرب حدثا معزولا عن سياق تاريخي ثقيل ومثخن بالجراح. فمنذ مرحلة “سنوات الرصاص” خلال حكم الحسن الثاني، ارتبط اسم بعض الأجهزة الأمنية بملفات الاعتقال السري والتعذيب والاختفاء القسري. كان معتقل تازمامارت رمزا صارخا لتلك المرحلة، حيث انتهت حياة مئات المعتقلين في صمت، وبقيت الحقيقة معلّقة لسنوات.
مع بداية عهد محمد السادس، أُطلقت هيئة الإنصاف والمصالحة في محاولة رسمية للاعتراف بالانتهاكات الجسيمة وجبر ضرر الضحايا. بدا أن الدولة اختارت مسار المصالحة والشفافية، وأن زمن الموت الغامض خلف الجدران المغلقة قد أصبح جزءا من الماضي.
غير أن السنوات اللاحقة لم تُنهِ الجدل المرتبط بسلامة الأشخاص داخل أماكن الاحتجاز، بل شهدت حالات أعادت إلى الواجهة سؤال الثقة في الرواية الرسمية وفي آليات الرقابة والمساءلة.
من بين القضايا التي أثارت نقاشا واسعا، مقتل خمسة شبان في مثل هذا اليوم داخل مخفر الشرطة بمدينة الحسيمة سنة 2011، في سياق احتجاجات حركة عشرين فبراير. حينها صدر بيان عن النيابة العامة يفيد بأن الضحايا لقوا حتفهم نتيجة حريق شبّ داخل وكالة بنكية. غير أن تلك الرواية الرسمية قوبلت بتشكيك واسع من عائلات الضحايا ومن فعاليات حقوقية، التي اعتبرت أن الملابسات لم تُكشف بالكامل، وأن الحقيقة بقيت محل جدل في الرأي العام.
وفي سنة 2022، توفي الشاب ياسين الشبلي داخل مخفر شرطة ببنجرير، في واقعة أعادت النقاش بقوة حول ظروف الحراسة النظرية. الذي تعرض للتعذيب والعنف المؤدي للموت، فيما الرواية الرسمية آنذاك نفت بشكل قاطع وجود تعذيب، معتبرة أن الوفاة لا تعود إلى اعتداء جسدي. قبل ظهور التسجيلات التي أثبتت وأكدت تعرضه للتعذيب الذي تسبب في وفاته.
وفي الأيام الماضية، تجدد هذا النقاش مع وفاة طالب قانون شاب داخل مقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بمدينة الدار البيضاء.
النيابة العامة أعلنت أن المعني بالأمر، الذي كان موضوع بحث قضائي، “أقدم مساء الأربعاء 18 فبراير على القفز من نافذة بالطابق الرابع”، ما أدى إلى إصابته بجروح بليغة نقل على إثرها إلى المستشفى قبل أن يتوفى في الساعات الأولى من صباح الخميس 19 فبراير. بلاغ واضح في صياغته، يحسم السبب في “قفز إرادي”.
غير أن العائلة قدمت رواية مختلفة. في مقطع مصور، أكد الوالدان أنهما لم يتسلما بعد جثمان ابنهما، معبرين عن تشكيكهما في فرضية الانتحار. وقال الأب إن ابنه سبق أن وضع شكاية ضد عميدة شرطة، ملمّحاً إلى احتمال وجود علاقة بين تلك الشكاية واستدعائه من طرف الفرقة الوطنية.
وأضاف أن ابنه رفض التنازل عن شكايته رغم محاولات لإقناعه بذلك، مؤكدا أنه لا سوابق قضائية له، وأنه طالب قانون حاصل على شهادة الماستر.
من منظور حقوقي، لا يتعلق الأمر بمجرد اختلاف في الروايات، بل بمبدأ أساسي، فالدولة مسؤولة مسؤولية مباشرة عن حياة كل شخص يوجد تحت سلطتها. فحين يكون الفرد رهن الحراسة النظرية، تصبح سلامته الجسدية والنفسية التزاما قانونيا وأخلاقيا على عاتق المؤسسات. لذلك، لا يكفي توصيف سبب “الوفاة”، بل يتطلب الأمر كشفا مفصلا للوقائع، يشمل تسجيلات المراقبة، ظروف الاحتجاز، إفادات المسؤولين، وتقارير الطب الشرعي المستقل عن الأجهزة الأمنية، مع ضمان استقلالية التحقيق وشفافيته.
إن دولة القانون تُقاس بمدى قدرتها على مساءلة نفسها قبل مساءلة مواطنيها. وحين يفقد شاب حياته داخل مقر أمني، فإن المسؤولية لا تتوقف عند تحديد سبب الوفاة، بل تمتد إلى تقييم منظومة الحماية والرقابة بأكملها. لأن الثقة في المؤسسات لا تُبنى بالشعارات، بل بالشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
في المحصلة، تمثل هذه الحادثة اختبارا جديدا لمدى التزام الدولة بضمان أن يبقى الحق في الحياة مصونا في جميع الظروف، وخاصة داخل أماكن الاحتجاز، حيث تكون سلطة الدولة كاملة ومسؤوليتها مضاعفة. وبين الرواية الرسمية وتساؤلات الأسرة المنطفية والمحقة، تبقى الحقيقة القضائية الشفافة هي الطريق الوحيد لتبديد الشكوك وترسيخ العدالة.
