- عماد العتابي
تبدو المرحلة الراهنة في المنطقة محكومة بصراع إرادات مركّب، يتجاوز حدود المواجهة التقليدية بين طرفين، ليأخذ شكل صراع استراتيجي على طبيعة النظام الإقليمي نفسه. وفي هذا السياق، يمكن قراءة التحركات الإيرانية الأخيرة بوصفها جزءا من رؤية استراتيجية، لا تقتصر على الرد العسكري المباشر، بل ترتكز على إدارة الصراع بطريقة تُفقد العدو قدرته على التفوق المرحلي.
إيران، التي استعدت لرد كبير عقب خرق بنود اتفاقية وقف إطلاق النار وارتكاب مجازر جماعية في لبنان من طرف جيش الاحتلال الصهيوني في محاولة إسرائيلية لاخراج جبهة لبنان من الاتفاق بين طهران وواشنطن، لم تكن تتحرك بدافع الانفعال، بل ضمن حسابات دقيقة تراعي توازنات الإقليم وتشابك المصالح الدولية. لكن جاء التدخل الباكستاني كعامل تهدئة مؤقت، يفتح نافذة للدبلوماسية، ليس من باب التراجع، بل بهدف منح مسار الضغط السياسي على الولايات المتحدة فرصة لوقف الإرهاب الصهيوني ضد الشعب اللبناني.
لكن جوهر المسألة لا يكمن فقط في توقيت الرد، بل في طبيعته الاستراتيجية التي تحكم “محور المقاومة”. فالعقدة الحقيقية التي تواجه “إسرائيل” ليست فقط في قوة جبهة واحدة، بل في وحدة الساحات؛ هذا المفهوم الذي تجسّد بوضوح في الحرب الأخيرة، حيث لم تعد المواجهة محصورة في جغرافيا محددة، بل باتت متعددة الاتجاهات ومتزامنة في كثير من الأحيان.
“إسرائيل”، من جهتها، تدرك خطورة هذا التحول، ولذلك تسعى بشكل حثيث إلى تفكيك هذا الترابط، والعمل على عزل كل جبهة عن الأخرى. والهدف من ذلك هو تحويل الصراع من حالة تكامل ضاغط إلى مواجهات متفرقة يمكن احتواؤها والسيطرة عليها، ثم التأثير على البيئة الحاضنة للمقاومة عبر إظهارها بمظهر العاجز أو غير المجدي، بما يؤدي إلى زعزعة الثقة الشعبية بها.
في المقابل، تعي إيران أن الحفاظ على تماسك الساحات هو عنصر قوة أساسي، سواء في حالة التهدئة أو في حال انفجار المواجهة مجددا. لذلك، فإن فكرة وقف القتال في جميع الساحات المرتبطة بها لا تنفصل عن تحريكها مجتمعة في حال عودة الحرب. وهي معادلة مزدوجة، إما تهدئة شاملة، أو تصعيد شامل، بما يمنع العدو من تطبيق استراتيجية “فرّق تسد”.
الرهان الإيراني هنا يقوم على منع أي طرف، وعلى رأسه قيادة الكيان، من التعامل مع كل جبهة بمعزل عن الأخرى. فحين تُدار الساحات كوحدات منفصلة، تصبح الجغرافيا هشة، ويسهل استهدافها تباعا. أما حين تتحرك ضمن غرفة عمليات واحدة، فإن ذلك يفرض واقعا مؤلما على الكيان، حيث يتحول أي اعتداء على جبهة إلى شرارة محتملة لاشتعال كل جبهات محور المقاومة في آن واحد.
وقد برز هذا التوجه بوضوح في نمط العمليات خلال المرحلة الماضية، حيث ظهرت ملامح تنسيق متصاعد بين أطراف المحور، سواء عبر ضربات متزامنة أو متدرجة زمنياً، لكنها مترابطة في الهدف والرسالة. من إيران إلى لبنان، مرورا باليمن وسوريا، وصولا إلى احتمالات انخراط ساحات إضافية.
هذا التحول لا يقتصر على البعد العسكري، بل يمتد إلى البعد النفسي والاستراتيجي. ففكرة تعدد الساحات المتزامنة تُربك حسابات العدو، وتحدّ من قدرته على التركيز وتوزيع موارده، كما تعزز من معنويات بيئة المقاومة، التي ترى في هذا التنسيق دليلاً على الفاعلية والقدرة على التأثير.
في ضوء ذلك، يمكن القول إن إيران لا تسعى فقط إلى الرد، بل إلى تثبيت قواعد اشتباك جديدة، تجعل أي مواجهة مستقبلية أكثر كلفة وتعقيدا بالنسبة لإسرائيل. وبين خيار التهدئة المدروسة والتصعيد المنسق، تواصل طهران العمل على ترسيخ معادلة “وحدة الساحات” كحجر أساس في توازن القوى الإقليمي.
