كشفت وثائق أمريكية رُفعت عنها السرية مؤخرًا عن محادثات خاصة جرت عام 2008 بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش ووزيرة خارجيته كونداليزا رايس، حملت دلالات سياسية خطيرة تتجاوز كونها مجرد نقاشات دبلوماسية عابرة، إذ أظهرت بوضوح حجم التنسيق غير المعلن بين موسكو وواشنطن بشأن الملف النووي الإيراني، في وقت كانت فيه روسيا تُقدَّم إعلاميا وسياسيا كأحد أبرز داعمي إيران في مواجهة الضغوط الغربية.
الوثائق المسرّبة تتضمن حوارات مباشرة تكشف أن بوتين لم يكن في موقع المدافع عن حق إيران في امتلاك برنامج نووي مدني كما كانت تدّعي موسكو علنًا، بل تبنّى عمليًا المنطق الأمريكي ذاته القائم على التشكيك في نوايا طهران، حيث أقرّ بأنه واجه المسؤولين الإيرانيين بسؤال جوهري حول جدوى بناء قدرات تخصيب نووي في وقت لن تُستكمل فيه محطات الطاقة الجديدة قبل خمسة عشر عامًا، مستشهدًا بتجربة محطة بوشهر التي استغرق بناؤها أكثر من عقد ونصف. هذا الطرح لم يكن سوى إعادة إنتاج حرفية للحجج الأمريكية التي استُخدمت لاحقًا لتبرير العقوبات والضغوط الدولية على إيران.
الأخطر من ذلك أن التسريبات تكشف أن قرار موسكو بتجميد صفقة منظومة الدفاع الجوي S-300، رغم توقيع العقد مع إيران قبل سنوات، لم يكن نتيجة عراقيل تقنية أو قانونية كما رُوّج لاحقًا، بل جاء في إطار تفاهم سياسي مع واشنطن. فقد اعترف بوتين بأن العقد “غير منفذ”، بينما عبّر بوش صراحة عن تقديره لهذا الموقف، معتبرًا إياه خطوة مسؤولة تعكس التزام روسيا بضبط السلوك الإيراني. هذا الاعتراف يضع السياسة الروسية آنذاك في إطار المقايضة الاستراتيجية، حيث استُخدمت العلاقة مع طهران كورقة تفاوض مع الغرب لا أكثر.
وتكشف لغة الحوار بين بوتين وبوش عن مستوى غير مسبوق من التوافق في النظرة إلى القيادة الإيرانية، إذ وصفها الطرفان بأنها “مجنونة”، في توصيف يحمل قدرا كبيرا من الاحتقار السياسي، رغم محاولة بوتين التخفيف من حدته بالإشارة إلى أن النخبة الإيرانية متعلمة وتنتمي إلى بيئة أكاديمية، بما في ذلك الرئيس الإيراني حينها محمود أحمدي نجاد. هذا التناقض يعكس حقيقة أن المشكلة لم تكن في كفاءة القيادات الإيرانية أو مستواها العلمي، بل في استقلال قرارها السياسي وسعيها لامتلاك أدوات قوة خارج السيطرة الدولية.
تؤكد هذه الوثائق أن العلاقة الروسية الإيرانية لم تكن في جوهرها تحالفا استراتيجيًا قائما على الثقة أو المصالح المشتركة طويلة الأمد، بل علاقة براغماتية تحكمها حسابات موسكو الكبرى مع الولايات المتحدة. ففي اللحظة التي رأت فيها روسيا أن التقارب مع واشنطن يخدم مصالحها، لم تتردد في التضحية بالمصالح الإيرانية أو تعطيل صفقات حيوية تمس أمن إيران الاستراتيجي.
ما تكشفه هذه التسريبات لا يقتصر على حدث سياسي من الماضي، بل يسلط الضوء على نمط ثابت في السياسة الروسية يقوم على دعم الحلفاء تكتيكيًا والضغط عليهم استراتيجيًا عند الحاجة، واستخدامهم كورقة في لعبة التوازنات الدولية.
وفي هذا السياق، تبدو ما يُوصف اليوم بـ”خيانة بوتين لإيران” ليست استثناء عابرا، بل تعبيرا عن عقيدة سياسية روسية ترى في التحالفات أدوات مؤقتة لا التزامات دائمة، وتتعامل مع الدول من منطلق المصالح المتغيرة لا الشعارات المعلنة.
فيما يلي نص الحوار الذي دار بين بوتين وجورج بوش:
بوش:
أقول للناس بشأن إيران إن خطتك كانت ذكية جدًا. القادة يقولون إنهم يريدون طاقة نووية مدنية، ونحن نقول، حسنا، هذا حقكم.
بوتين:
هذا ما قلته لهم في إيران عندما قالوا إنهم يبنون محطة طاقة نووية جديدة ويحتاجون إلى الوقود. سألت متى سيكملون المحطة. إنه مشروع طويل الأمد. نحن نبني بوشهر منذ 15 سنة. قلت، لن تكملوا محطة جديدة لمدة 15 سنة، فلماذا تبنون قدرات التخصيب الآن؟
بوش:
هذا مثال جيد. لقد تولى القيادة بشأن إيران. كان ذلك الشيء الصحيح الذي يجب فعله.
بوش:
تحدثنا أنا وأنت عن منظومة S-300 وقلت إنك ستنتظر لترى كيف سيتصرفون، بيع مشروط، وأنا أقدر ذلك.
بوتين:
لدينا عقد معهم موقع منذ أربع سنوات لكنه غير منفذ.
بوش:
أقدر ذلك. إنهم مجانين
بوتين:
إنهم مجانين تماما.
بوش:
نأمل أن يبدأ أشخاص عقلانيون بالظهور. أنت تتحدث معهم، ونحن لا. نأمل أن يظهر مزيد من الأشخاص العقلانيين؛ نود أن تكون لدينا علاقة أفضل.
بوتين:
ما فاجأني عندما كنت هناك، قد يكونون مجانين في أيديولوجيتهم لكنهم مثقفون، متعلمون في الجامعة، يأتون من بيئة أكاديمية، بما في ذلك أحمدي نجاد، حاشيته، ورئيس البرلمان. إنهم ليسوا أناسًا بدائيين. كان ذلك مفاجئا جدا لي.
