عماد العتابي
عند قراءة البيان الصادر عن المكتب التنفيذي للأممية الرابعة حول أحداث إيران، يصعب على القارئ تجاهل الانزلاق الخطابي والسياسي الذي يشوبه النص، إلى درجة تجعل لغته أقرب إلى سرديات اليمين الإمبريالي. فالبيان، بدل أن ينطلق من تحليل مادي تاريخي لطبيعة الصراع داخل المجتمع الإيراني وموقعه في النظام الرأسمالي العالمي، تبنّى إطارا تبسيطيًا يُعيد إنتاج نفس المفردات والافتراضات التي تستخدمها مراكز القرار في واشنطن وتل أبيب ولندن.
بوصفي منتميًا إلى المدرسة التروتسكية والأممية الرابعة، وجدت نفسي أمام نص لا يعكس إرث الأممية الرابعة بوصفها تيارا ثوريًا معاديا للإمبريالية، بل أقرب إلى بيان “أخلاقي” ليبرالي يُجرّد الصراع الإيراني من سياقه الجيوسياسي والطبقي، ويختزله في ثنائية سطحية بين “نظام قمعي” و”شارع ديمقراطي”، وهي الثنائية ذاتها التي شكّلت المدخل الأيديولوجي لتدمير العراق وسوريا وليبيا.
إن أكثر ما يثير القلق في البيان ليس انتقاده للنظام الإيراني، فالنقد الثوري للسلطات القائمة واجب لا نقاش فيه، بل الطريقة التي جرى بها هذا النقد، حيث تم فصله كليًا عن واقع الحصار الصهيوأمريكي والعقوبات، وعن موقع إيران كدولة واقعة في قلب صراع مفتوح مع الإمبريالية العالمية. وبهذا المعنى، لا يعود البيان نقدا ماركسيًا، بل يتحول عمليًا إلى غطاء يساري لخطاب التدخل الخارجي، حتى وإن لم يصرّح بذلك صراحة.
التروتسكية، تاريخيًا، لم تكن يومًا تيارا يساوي بين دولة محاصَرة تواجه ضغطًا إمبرياليًا شاملا، وبين قوى الهيمنة التي تسعى لإخضاعها. لقد شدّد تروتسكي نفسه، في تحليله للصراعات غير المتكافئة، على ضرورة التمييز بين طبيعة الأنظمة السياسية وطبيعة الصراع العالمي، وعلى أن الموقف الثوري لا يُبنى انطلاقًا من كراهية النظام القائم، بل من موقعه الموضوعي في ميزان القوى الطبقي والدولي.
إن تجاهل هذا البعد يجعل البيان أقرب، من حيث الأثر السياسي، إلى مقالات مراكز أبحاث مرتبطة بالناتو وتل أبيب، أو إلى تصريحات ساسة يمينيين يستخدمون خطاب “حقوق الإنسان” كأداة ضغط انتقائية. والأسوأ من ذلك، أنه يضع الحركة التروتسكية في موقع أخلاقي زائف، يدّعي النقاء الثوري بينما يساهم عن قصد أو غير قصد في إعادة إنتاج سردية العدو الطبقي.
ليس المطلوب من الماركسيين الدفاع عن الدولة الإيرانية أو تبرير تناقضاتها الداخلية، بل المطلوب هو تحليل جدلي يرى الصراع داخل إيران بوصفه صراعًا متعدد المستويات؛ صراعًا طبقيا داخليًا حقيقيًا، لكنه في الوقت نفسه صراعًا مشروطا بحصار خارجي ومحاولات تفكيك ممنهجة. إن أي موقف ثوري يتجاهل هذا التشابك يتحول بالضرورة إلى موقف سياسي أعور.
من هنا، فإن إعادة الاعتبار لخط الأممية الرابعة لا تمر عبر بيانات متسرعة تُكتب بروح وسائل الإعلام الغربية، بل عبر استعادة البوصلة الأساسية وهي معاداة الإمبريالية أولًا، دون التخلي عن النقد الطبقي، ودون السقوط في فخ تحويل اليسار إلى ذيل أيديولوجي لمشاريع الهيمنة والصهيونية
