من الريف، حيث خرج الاحتجاج طلبا للكرامة لا طلبا للامتنان، يمكن فهم خطورة تصريح عبد الإله بنكيران بشأن ناصر الزفزافي. فالقضية هنا لا تتعلق برأي سياسي عابر، إنما بمحاولة مكشوفة لتوظيف رمز احتجاجي، ومنطقة بكاملها، في خطاب تزلف وتملّق، يُفرغ المعاناة من معناها، ويعيد تأثيثها لخدمة حسابات شخصية ضيقة.
الزفزافي لم يكن يوما باحثا عن شكر، ولا الريف خرج ليعبّر عن الامتنان. خرج الريف لأن المستشفى غائب، لأن الجامعة بعيدة، لأن التنمية وُعد بها ولم تأتِ. خرج لأن الدولة، بسياساتها العدائية المتراكمة، راكمت التهميش، لا لأن أحدا نسي قول “شكرا”. إن تحويل هذا السياق الثقيل إلى درس أخلاقي في الامتنان ليس فقط تبسيطا فجّا، بل إهانة لمعنى الاحتجاج ذاته.
حين يطالب بنكيران الزفزافي بشكر الملك، فهو لا يخاطب الريف، بل يخاطب السلطة، مستعرضا ولاءه، ومقدّما نفسه كوسيط أخلاقي “عاقل” في مواجهة احتجاج “مزعج”. والزفزافي هنا يُستعمل كوسيلة وكجسر لغوي للتقرب من المؤسسة الملكية، لا كعنوان لنقاش سياسي جاد حول العدالة المجالية والكرامة الاجتماعية.
الأكثر فجاجة في هذا الخطاب أنه يصدر عن سياسي لا يزال يتمتع بامتيازات الدولة، ويتقاضى معاشا سميكا وسمينا من المال العام ومن جيوب المفقّرين والجوعى، بينما يُملي دروسا في السلوك على شاب دفع ثمن الاحتجاج سجنا، وعلى منطقة دفعت ثمن التهميش عقودا. أي معنى أخلاقي يمكن أن يحمله خطاب كهذا، حين يصدر من موقع الامتياز، ويُوجَّه إلى موقع الجرح؟
بنكيران، الذي بنى جزءًا من مساره السياسي على خطاب المظلومية، وعلى التلميح إلى كونه مستهدفا من “التحكم” و”التماسيح”، يمارس اليوم نقيض ذلك تماما، بل ويجتهد في التملق بلا تحفظ، ويقوم بتوظيف فجّ لرموز الاحتجاج من أجل إعادة التموضع داخل المشهد السياسي. هو ليس بصدد مراجعة لتجربته الحكومية، ولا اعتراف بمسؤوليته عن السياسات التي عمّقت الفوارق الاجتماعية، فقط إعادة تدوير للخطاب وفق ما يخدم مصالحه الانتخابية.
والحال أن الريف لا يحتاج إلى أوصياء أخلاقيين، ولا إلى سماسرة خطاب يبيعون معاناته في سوق الولاءات. الريف يحتاج إلى اعتراف سياسي، إلى عدالة مجالية، وإلى دولة تتحمل مسؤوليتها كاملة، لا إلى خطابات وعظية تُستعمل لإرضاء الأعلى على حساب المظلوم.
إن الدفاع عن الزفزافي اليوم ليس دفاعا عن شخص، بل عن معنى الاحتجاج، وعن حق المناطق المهمشة في أن تُسمَع مطالبها دون أن تُشوَّه أو تُستعمل كورقة تملّق. أما تحويل هذا المعنى إلى أداة في حملة سياسية مقنّعة، فليس موقفا سياسيا، بل سقوط أخلاقي كامل.
بهذا المعنى، لا يسيء خطاب بنكيران إلى الزفزافي وحده، بل إلى الريف كله، لأنه يحاول اختزال تاريخ من التهميش والغضب في جملة ولاء، ويحوّل السياسة من فعل مسؤولية إلى تمرين في التزلف. وهو ما يجعل الردّ عليه دفاعًا عن الكرامة قبل أن يكون خلافا في في الرأي.

متى كان الكلب الأليف الذي ربّاه البصري إنسانًا؟
سؤال يبدو بسيطًا، لكنه يصلح امتحانًا شفهيًا في سوء فهم العلم.
فأنا، من منظوري العلمي، أثق بالتطوّر، نعم… لكن ليس بذلك التطوّر السريع الذي يحدث بين نشرة أخبار وفنجان قهوة.
داروين، لو بُعث من قبره، لطلب أولًا تحليلًا جينيًا قبل أن يصدّق أن كلبًا أليفًا بنكيران استيقظ ذات صباح وهو يتحدّث في السياسة، ويحلّل التحالفات، ويصدر بيانات وطنية بنباحٍ مُعقّد.
العلم، يا سادة، لم يقل يومًا إن القرد سلّم الإنسان مفاتيح الحكمة عند باب الكهف، بل قال إن المسألة أطول، أعقد، وأقسى من أن تُختصر في نكتة أو شتيمة أو منشور غاضب.
التطوّر لا يعمل بنظام “بين عشية وضحاها”،
ولا يعرف المجاملات،
ولا يمنح الوعي السياسي كمكافأة على الطاعة أو حسن السلوك.
فحتى لو لبس كلب البصري بنكيران ربطة عنق،
وتدرّب على الوقوف أمام الكاميرا،
وتعلّم أن يهزّ ذيله عند ذكر الملك و يهاجم الصنديد ناصر الزفزافي،
فلن يصبح إنسانًا،
بل سيظل كلبًا… لكن بلهجة سياسية.
وبين العلم الحقيقي والعلم الذي يفهمه البعض،
مسافة تساوي ملايين السنين الضوئية ،
وليس منشورًا واحدًا.
تحياتي للأحرار فقط
و الخزي و العار لحزب النذالة من القاعدة للقمة
يحي يشاوي
استاذ جامعي في علم تطر الاحياء
متقاعد