لاهاي/ هولندا
أعاد مقتل الشابة السورية ريان نجار (20 عاماً) في مدينة ليليستاد الهولندية فتح ملف شديد الحساسية يتعلق بجرائم القتل ذات الدافع “الشرفي” داخل بعض الأسر اللاجئة.
القضية، التي تتهم فيها النيابة الهولندية والد الضحية وشقيقيها بقتلها ورميها في إحدى القنوات المائية، أثارت ضجة واسعة تجاوزت الطابع الجنائي إلى أسئلة أعمق حول صدام القيم، والتفسيرات المتشددة للدين، والضغوط الهائلة في بيئات اللجوء.
بحسب وثائق التحقيق، عُثر على جثة ريان مقيدة الأطراف وفمها مغطى بشريط لاصق، ما يدل على أنها كانت على قيد الحياة عند إلقائها في الماء وأنها توفيت غرقاً.
وتشير النيابة إلى وجود أدلة جنائية تربط والدها بجريمة القتل، من بينها آثار الحمض النووي على الشريط المستخدم لتقييدها.
رغم أن القضية لا تزال في طور المحاكمة، إلا أن تفاصيلها بدت كافية لفتح نقاش واسع في هولندا حول جريمة شرف وقعت في قلب مجتمع أوروبي يحمي حرية المرأة بصرامة.
ينتمي كثير من اللاجئين السوريين إلى مجتمعات محافظة تحكمها منظومة قيم تقليدية فيما يتعلق بسلوك النساء.
ومع الانتقال إلى هولندا، يتعرض الأبناء، وخاصة الفتيات لاختبار ثقافي حاد.. حرية في اللباس، في العلاقات، في الحياة الشخصية، مقابل قيم أسرية ترى في هذه السلوكيات “خطراً” على سمعة العائلة.
كانت ريان، وفق شهادات محيطها، تسعى لعيش حياة أكثر استقلالاً في مجتمعها الجديد، بينما كانت عائلتها تعيش العزلة الثقافية والاجتماعية نفسها التي تعيشها العديد من الأسر اللاجئة، حيث يصعب التكيّف السريع مع قيم مغايرة تماما للقيم التقليدية.
رغم أن جرائم الشرف لا ترتبط بدين محدد، إلا أن بعض الأسر القادمة من مناطق خضعت لنفوذ جماعات متطرفة، بما فيها تنظيم داعش والقاعدة، تحمل معها تفسيرات مشدّدة للدور الاجتماعي للمرأة.
هذه التفسيرات لا تعبّر عن الدين الإسلامي، لكنها نتاج ثقافة دينية/أموية أبوية تغذت خلال سنوات الحرب والاضطراب، حيث ازداد العنف الأسري وتصلبت فكرة “السيطرة على النساء” كوسيلة لإثبات سلطة الرجل.
وفي مثل هذه الحالات، تتحول “حماية الشرف” إلى مبرر للعنف، خصوصا حين يشعر الرجل بأنه يفقد السيطرة على أفراد عائلته في بيئة غربية مفتوحة.
وإلى جانب العامل القيمي، تلعب ظروف اللجوء دورا خطيرا، حيث العزلة القاسية في مراكز الإيواء قبل الانتقال الى العيش بين المجتمع الهولندي، الضغط النفسي والاقتصادي. والخوف من ضياع الهوية الثقافية، وتفكك التواصل بين الآباء والأبناء. بالاضافة إلى انعدام الاندماج لدى البعض.
هذه الظروف قد تدفع بعض الآباء إلى ردود فعل عنيفة عندما يشعرون بفقدان السيطرة على بناتهم في مجتمع مختلف تماماً.
تكشف تقارير صحفية هولندية أن ريان كانت قد تلقت حماية سابقة من الشرطة بعد خلافات مع عائلتها، لكنها أوقفت لاحقاً.
هذا يثير أسئلة حول مدى قدرة النظام الهولندي على التعامل مع تهديدات “شرفية” قد لا يفهم حساسيتها الثقافية.
القضية تكشف أن المشكلة ليست في السوريين كجماعة، بل في أسر محددة تحمل معها خليطاً من العوامل. قيم محافظة، ضغط نفسي، قراءة متشددة للدين، خوف من الاندماج، وضع اقتصادي مضطرب.
مقتل ريان نجار ليس فقط جريمة مروعة؛ إنه جرس إنذار حول ضرورة تعزيز برامج التوعية الثقافية للعائلات اللاجئة، وبناء جسور حماية فعالة للنساء والفتيات، وتطوير فهم أعمق لتعقيدات الصراع بين ثقافتين في جسم اجتماعي واحد.
فريان لم تكن ضحية “شرف”، بل ضحية منظومة قيمية متصارعة وفراغ حماية وتفسيرات دينية متشددة هرب منها كثيرون، لكنها، في بعض الحالات، تسافِر مع أصحابها.
