- إلياس المرابط
خلال العقدين الأخيرين، بدا المغرب وكأنه يدخل مرحلة إقلاع اقتصادي متدرج، مدعوم بتوسيع البنيات التحتية، وتعزيز القدرات اللوجستية، واستقطاب استثمارات كبرى في قطاعات السيارات والطيران والطاقات المتجددة. المؤشرات الكلية تعكس استقراراً نسبياً في النمو، وتحسناً في بعض التوازنات الماكرو اقتصادية، ما عزز خطاباً رسمياً يتحدث عن مسار صاعد داخل الاقتصاد العالمي. غير أن هذا المسار يطرح سؤالاً جوهرياً: هل نحن أمام تحول تنموي عميق يعيد تشكيل بنية الإنتاج والعلاقات الاجتماعية، أم أمام نمو عددي لا يفضي إلى عدالة ولا يحرر الاقتصاد من قيوده البنيوية؟
لفهم موقع المغرب بدقة، يمكن الاستئناس بتحليل النظام العالمي (théorie du système-monde) كما صاغه عالم الاجتماع الأمريكي إيمانويل والرشتاين (Immanuel Wallerstein). تقسم هذه النظرية الاقتصاد الرأسمالي العالمي إلى مركز (نواة)، وشبه محيط، ومحيط، وفقا لدرجة التحكم في التكنولوجيا، والتمويل، وسلاسل القيمة. ووفق هذا المنظور، لا يقاس التقدم فقط بمعدل النمو، بل بموقع الدولة داخل تراتبية الإنتاج العالمي. المغرب، بالنظر إلى معطياته الكمية، لا ينتمي إلى اقتصاد محيط تقليدي قائم فقط على المواد الأولية، لكنه في المقابل لم يبلغ مستوى الاقتصادات المتحكمة في المعرفة والتكنولوجيا. إنه أقرب إلى موقع “شبه المحيط”: اقتصاد يشهد تصنيعاً نسبياً وتحديثاً مؤسساتياً، لكنه يظل مرتبطاً عضوياً بالمراكز الرأسمالية الكبرى.
الأرقام تعزز هذا التوصيف. فمعدل النمو الذي يتراوح بين 3 و4 في المائة سنوياً يظل إيجابياً، لكنه أدنى بكثير من المعدلات التي رافقت تحولات هيكلية عميقة في تجارب صاعدة تجاوزت 6 أو 7 في المائة لسنوات طويلة. نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي لا يتعدى عتبة عشرة إلى أحد عشر ألف دولار بالقوة الشرائية، بينما يفوق في دول المركز ثلاثين أو أربعين ألف دولار. الإنفاق على البحث والتطوير يظل دون 1 في المائة من الناتج الداخلي الخام، في حين يتجاوز في الاقتصادات الصناعية الكبرى 2 أو 3 في المائة. هذا الضعف في الإنفاق على الابتكار هو ما يفسر أيضاً الهجرة القسرية للأدمغة المغربية نحو المركز؛ حيث يجد المهندس والباحث المغربي “البيئة الإنتاجية” التي يفتقدها في موطنه “شبه المحيط”. أما الصادرات الصناعية، فرغم تطورها، فإن جزءاً مهماً من مكوناتها مستورد، ما يعني أن القيمة المضافة المحلية تبقى محدودة مقارنة بالدول المتحكمة في حلقات الابتكار والتصميم.
غير أن التحدي الأبرز لا يكمن فقط في موقع المغرب داخل الاقتصاد العالمي، بل في أثر هذا الموقع اجتماعياً. فالبطالة تستقر في حدود تفوق 13 في المائة، بينما تتجاوز بطالة الشباب 35 في المائة، وهو ما يعكس اختلالاً هيكلياً بين النمو وقدرته على خلق فرص عمل كافية. نحن أمام اقتصاد ينمو حسابياً، لكنه لا يوسع قاعدة الاندماج الاجتماعي بالوتيرة نفسها. هذا التباين هو جوهر “النمو بلا عدالة”: توسع في بعض القطاعات الحديثة، مقابل استمرار هشاشة في قطاعات أخرى، خاصة الفلاحة والأنشطة ذات الإنتاجية الضعيفة.
لقد نجح المغرب في تثبيت موقعه كمنصة صناعية إقليمية، وهو مكسب استراتيجي لا يمكن إنكاره. لكن طبيعة هذا التموضع تكشف حدود السيادة الإنتاجية. فقرار الاستثمار والتكنولوجيا في قطاعات رئيسية يرتبط في الغالب بشركات متعددة الجنسيات، ما يجعل الاقتصاد مندمجاً بعمق في سلاسل قيمة عالمية لا يتحكم في مفاصلها العليا. وهنا يظهر منطق شبه المحيط بوضوح: أداء وظائف إنتاجية متقدمة نسبياً، دون امتلاك أدوات التحكم الاستراتيجي.
في الداخل، ينعكس هذا التموضع في بنية مزدوجة: “مغرب سريع” مرتبط بالتصدير والاستثمار الأجنبي، و”مغرب بطيء” يعاني من ضعف الإنتاجية وتقلبات المناخ وتفاوتات مجالية حادة. الفوارق الاجتماعية ليست مجرد نتيجة عرضية، بل امتداد لطبيعة النمو ذاته. فعندما يتركز الاستثمار في قطاعات كثيفة رأس المال وقليلة التشغيل النسبي، وعندما لا يُواكَب ذلك بسياسات قوية لدعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة ورفع إنتاجية القطاعات الداخلية، تتسع الفجوة بين النمو الكمي والعدالة الاجتماعية.
لا يمكن ردّ هذه الوضعية إلى العوامل الخارجية وحدها. فالاختيارات العمومية، رغم نجاحها في بناء بنية تحتية تنافسية وجذب استثمارات كبرى، لم تعمّق بما يكفي قاعدة الابتكار المحلي أو ترفع مستوى البحث العلمي والإنتاج المعرفي. كما أن استمرار بعض أشكال التركّز والريع يحد من انتشار ثمار النمو ويجعل “التقاطر” الموعود محدود الأثر.
صحيح أن هناك توجهاً متزايداً نحو تعزيز مفاهيم السيادة الاقتصادية، عبر الاستثمار في الهيدروجين الأخضر وتحلية المياه وتوسيع الحماية الاجتماعية، لكن التحول البنيوي الحقيقي يتطلب أكثر من مشاريع استراتيجية. إنه يفترض رفع نسبة البحث والتطوير، وتعزيز القيمة المضافة المحلية في الصادرات، وتحسين إنتاجية العمل، وتوسيع قاعدة التشغيل المنتج. دون ذلك، سيظل الاقتصاد يتحرك داخل هامش شبه المحيط، يحقق تقدماً نسبياً، لكنه لا يغير موقعه جذرياً داخل النظام العالمي.
إن التحدي الذي يواجه المغرب اليوم ليس في إنكار ما تحقق، ولا في تبخيسه، بل في الاعتراف بحدوده. فالنمو في حد ذاته ليس مؤشراً كافياً على التنمية، ما لم يقترن بعدالة في التوزيع، وبتحسن ملموس في فرص العمل، وبقدرة متزايدة على إنتاج المعرفة. بين تحديث ملموس وعدالة مؤجلة، يقف الاقتصاد المغربي في لحظة مفصلية. والسؤال الذي ينبغي أن يؤطر النقاش العمومي ليس كم ننمو، بل كيف ننمو، ولصالح من.
