بين آلاف الأصوات المتداخلة في مدرجات كأس أمم إفريقيا 2025 بالمغرب، ارتفع صمتٌ واحد أكثر من أي هتاف. صمت مشجع كونغولي وقف جامدا طوال المباراة، لا يحتفل ولا ينكسر، محوّلا جسده إلى رمز، ومعلِنا عن حضور مختلف في ذاكرة البطولة، حضور أطلق عليه لاحقًا اسم “المشجع التمثال”.
يقف المشجع الكونغولي طوال تسعين دقيقة كاملة دون أن يتحرّك أو تتغيّر ملامح وجهه. لا يحتفل عند تسجيل الأهداف، ولا ينهار مع لحظات الإقصاء أو الخسارة. جسده ثابت كالصخر، ونظره موجّه نحو المستطيل الأخضر، في صورة بدت للوهلة الأولى غريبة، لكنها سرعان ما تحوّلت إلى رمز عميق الدلالة.
لم يكن هذا السلوك مجرد محاولة للفت الانتباه أو استعراض فردي خارج المألوف، بل فعل رمزي واعٍ، مرتبط بذاكرة وطن وجراح تاريخ لم تندمل. فالمشجع التمثال يجسّد، بصمته وثباته، تحية صامتة لروح الزعيم الكونغولي التاريخي باتريس لومومبا، أول رئيس وزراء منتخب ديمقراطيًا لجمهورية الكونغو الديمقراطية بعد الاستقلال.
لومومبا، الذي اغتالته بلجيكا عام 1961 في ظروف سياسية معقّدة، بقي رمزا للنضال والمقاومة والكرامة والسيادة الوطنية في إفريقيا. وقد تحوّل جسد المشجع الجامد في المدرجات إلى استعارة حيّة لصمود أفكار لومومبا، ورفض النسيان، ومقاومة طمس الذاكرة الجماعية.
في هذا المشهد، تجاوزت كرة القدم حدود اللعبة، لتتحوّل إلى مساحة للتعبير عن الهوية والسياسة والتاريخ. وأصبح المدرج منصة رمزية، والجسد بيانا صامتا، والثبات رسالة واضحة تقول؛ الحرية التي دُفع ثمنها بالدم لا تُنسى، والتاريخ لا يُمحى وسط الضجيج.
باتريس لومومبا (1925–1961) كان زعيما قوميا إفريقيًا، قاد نضال الكونغو ضد الاستعمار البلجيكي، وألقى خطاب الاستقلال الشهير في 30 يونيو 1960، داعيا إلى الكرامة والوحدة الإفريقية. آمن بوحدة القارة واستقلالها الحقيقي، وتبنّى فكرًا تحرريا جعله هدفًا لقوى دولية رأت فيه تهديدا لمصالحها.
ورغم اغتياله المبكر، ظل لومومبا أيقونة للحركات التحررية الإفريقية، ورمزًا للنضال ضد الاستعمار والتبعية، وهو ما أكدته بلجيكا لاحقا باعترافها بمسؤوليتها الأخلاقية عن اغتياله، كما أعادت جزءا من رفاته إلى الكونغو عام 2022.
المشجع التمثال ليس مجرد متفرج في بطولة قارية، بل شاهد على تاريخ إفريقيا، وتمثال حيّ لذاكرتها الجماعية. اختار الصمت لأنه يرى أن الصمت أحيانا أبلغ من ألف هتاف، واختار الثبات لأن الذاكرة التي يحملها أثقل من أن تُعبّر عنها القفزات.
في كأس أمم إفريقيا 2025 بالمغرب، كتب هذا المشجع قصة مختلفة، أكدت أن كرة القدم لا تُلعب فقط بالأقدام، بل أيضا بالذاكرة، والرموز، والوفاء للتاريخ والدماء الزكية!
