لا تزال قضية محمد بويسلخن، الطفل القاصر الذي وُجد جثةً في ظروف غامضة بإقليم ميدلت، تضع منظومة العدالة الجنائية أمام اختبار حقيقي، وتعيد إلى الواجهة أسئلة مقلقة حول كيفية التعامل مع الوفيات المشبوهة، وحدود حماية الحق في الحياة، ومدى جدية الدولة في التصدي لظاهرة الإفلات من العقاب، خاصة حين يتعلق الأمر بضحايا من الأطفال القادمين من الهامش الاجتماعي.
ووفق معطيات أعلنها مركز حقوق الإنسان بأمريكا الشمالية في بيان صادر من نيويورك، فإن الطفل عُثر عليه جثةً بتاريخ 16 يونيو 2025 في مكان رعيه، في وضعية أثارت منذ البداية شكوكًا جدية حول فرضية الانتحار التي تم اعتمادها رسميًا في المرحلة الأولى من التحقيق.
وأوضح المركز أن وضعية الجثة، كما تظهر في صور جرى تداولها لاحقًا، لا تنسجم مع المعايير الطبية والجنائية المعتمدة في توصيف حالات الانتحار، حيث كان الضحية مثبتًا على عمودين خشبيين هشّين وفي وضعية جاثية، ما عزز فرضية القتل العمد مع طمس محتمل للأدلة.
وأضاف البيان أن مصالح الدرك الملكي قامت في البداية بتحرير محضر يُكيف الواقعة كحادث انتحار، قبل أن يُطوى الملف دون تعميق البحث، وهو ما اعتبرته الهيئات الحقوقية محاولة لإغلاق القضية خارج أي مسار قضائي فعلي. غير أن الضغط الذي قادته فروع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بجهتي درعة–تافيلالت وخنيفرة–بني ملال دفع النيابة العامة لدى محكمة الاستئناف بالرشيدية إلى إعادة تكييف القضية من “انتحار” إلى “جريمة قتل عمد” وإحالتها على قاضي التحقيق.
ورغم هذا التطور، عبّر مركز حقوق الإنسان بأمريكا الشمالية عن قلقه من ما وصفه بـ«التعطيل غير المبرر» لمسار التحقيق، محذرا من مؤشرات تمطيط قد تمس بمبدأ استقلالية العدالة ونجاعة البحث القضائي.
كما حمّل البيان مسؤولية ما آلت إليه القضية لعدة جهات، من بينها عناصر الدرك الملكي ببومية، والسلطة المحلية بقيادة أغبالو، والنيابة العامة بكل من ميدلت والرشيدية، إضافة إلى الطبيب الشرعي الذي أنجز التشريح الأول، في ظل عدم تمكين أسرة الضحية من نسخة من تقرير التشريح.
وطالب المركز بفتح تحقيق قضائي مستقل ومحايد وفق المعايير الدولية، خاصة مبادئ مينيسوتا المتعلقة بالتحقيق في حالات الوفاة التي يُحتمل أن تكون غير مشروعة، داعيًا إلى محاسبة جميع المتورطين، ومنع أي تأثير محتمل على الشهود، وتمكين أسرة الضحية من كامل حقوقها القانونية.
كما أعاد الملف إلى الواجهة قضية تشغيل الأطفال في المناطق الهشة، حيث أشار البيان إلى أن الضحية كان محرومًا من حقه في التعليم، ومُجبرا على العمل لإعالة أسرته، مطالبًا الدولة المغربية بتشديد الرقابة واتخاذ إجراءات زجرية لحماية الأطفال وضمان حقهم في التمدرس والحماية الاجتماعية.
وختم المركز بيانه بالتأكيد على أن الإفلات من العقاب في جرائم قتل الأطفال يشكل «انتهاكا جسيما للحق في الحياة»، معتبرا أن تحقيق العدالة في هذه القضية ليس مطلبا أخلاقيا فحسب، بل التزام قانوني لا يقبل المساومة.
