- عادل بوسراو
تحلّ ذكرى السادس من فبراير من كل سنة، لتوقظ في الذاكرة الوطنية المغربية سيرة واحد من أعظم رجالات المقاومة والتحرير في التاريخ المعاصر: المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي، زعيم الريف، وباني ملحمة أنوال، وأحد الروّاد الكبار لحركات التحرر في العالم . غير أنّ قراءة هذه الشخصية الفذة كثيرًا ما انحصرت في بعدها العسكري والسياسي، وغُيِّبت في الغالب أبعادها الروحية والتربوية، كما أُغفل الدور العميق الذي اضطلعت به الزوايا الصوفية وشيوخها في احتضان مشروع المقاومة، وصياغة أخلاقيته، وتعبئة المجتمع الريفي في مواجهة الاستعمار.
تهدف هذه المقالة إلى الإسهام في إبراز شخصية الخطابي في بعدها المركّب: عالمًا وقاضيًا، مجاهدًا وقائدًا، ومصلحًا ذا جذور صوفية واضحة، كما تروم تسليط الضوء على مساهمة الزوايا والطرق الصوفية في معارك التحرير بالريف، باعتبارها حاضنة روحية وتنظيمية ومجتمعية للمقاومة. وهي في الآن نفسه وقفة وفاء في ذكراه، ودعوة متجددة لاستعادة هذا الإرث في بناء الوعي التاريخي والوطني.
محمد بن عبد الكريم الخطابي: النشأة والتكوين العلمي والروحي
ولد محمد بن عبد الكريم الخطابي في 1304ه مقابل 1882م ببلدة أجدير، في حضن قبيلة بني ورياغل، في بيئة جبلية عُرفت بالتديّن والزهد وقوة التماسك الاجتماعي. حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، وتلقى مبادئ العلوم الشرعية على يد فقهاء الريف ، قبل أن ينتقل إلى مدينة فاس سنة 1902 لمتابعة دراسته بجامعة القرويين، حيث انفتح على عوالم الفقه والأصول والحديث واللغة، ونهل من مجالس كبار العلماء.
ولم يكن هذا التكوين علميًا صرفًا، بل كان مشبعًا بنفَسٍ صوفيٍّ واضح؛ فالقرويين آنذاك لم تكن مجرد مؤسسة تعليمية، بل فضاءً تتقاطع فيه المعرفة الشرعية بالتربية الروحية، حيث تنتشر الزوايا، وتُتداول كتب السلوك، ويُربّى الطلبة على قيم الزهد والتقوى ومجاهدة النفس. في هذا المناخ تشكّلت شخصية الخطابي، فاقترنت فيه صرامة الفقيه بنقاء المتصوف، وحكمة القاضي بصفاء المربّي.
وقد انعكس هذا التكوين في مساره المهني، حين تولّى القضاء بمدينة مليلية، فتميّز بالنزاهة والاستقامة، وسعى إلى إصلاح ذات البين بين الإسبان وأهالي الريف، انطلاقًا من تصور أخلاقي يستند إلى مبادئ العدل والصلح، قبل أن تفرض عليه تطورات الاحتلال الانتقال من منطق القضاء إلى منطق المقاومة.
الاستسلام والمنفى: امتحان القيم
بعد سنوات من المقاومة الشرسة والانتصارات المتتالية، وجد محمد بن عبد الكريم الخطابي نفسه أمام تحالف استعماري غير مسبوق، جمع بين إسبانيا وفرنسا، مدعومًا بوسائل عسكرية هائلة، بما فيها القصف الجوي المكثف واستعمال الأسلحة الكيماوية ضد القرى الريفية . وقد أدّى هذا الوضع إلى إنهاك المجال الريفي، واستنزاف الموارد البشرية، وتهديد الوجود المدني برمّته.
في هذا السياق، اتخذ الخطابي قرار الاستسلام سنة 1926م، لا بوصفه اعترافًا بالهزيمة، بل باعتباره خيارًا أخلاقيًا يهدف إلى حقن دماء المدنيين، بعد أن أصبحت الحرب تستهدف الإنسان والأرض معًا . وقد سلّم نفسه للقوات الفرنسية، رافضًا أن يضع السلاح في يد الإسبان، في موقف سياسي ودلالي بالغ الرمزية .
ويجمع عدد من المؤرخين على أن هذا القرار يُبرز مرة أخرى البعد الأخلاقي والروحي في شخصية الخطابي، إذ قدّم سلامة الأهالي على مجد القيادة، وفضّل تحمّل المنفى على استمرار الإبادة .
الروح الصوفية في مشروع المقاومة والتحرير
حين اختار الخطابي طريق الجهاد، لم يكن ذلك خروجًا عن مساره الروحي، بل امتدادًا طبيعيًا له. فالمقاومة في تصوره لم تكن مجرّد مواجهة عسكرية، بل جهادًا أخلاقيًا وروحيًا، قوامه الصبر والانضباط والتجرد، وتحقيق معنى العبودية في أعلى تجلياتها: الدفاع عن الأرض والكرامة والإنسان.
وقد حرص في تنظيم جيش التحرير الريفي على ترسيخ قيم مستمدة من الثقافة الصوفية: الطاعة المنضبطة لا العمياء، الزهد في الغنائم، احترام الأسرى، وتحريم الاعتداء على المدنيين. وكانت الخطب والدروس التي تُلقى في المعسكرات مشبعة بالآيات القرآنية وأحاديث الجهاد ومقامات الصبر واليقين، بما يجعل من المعركة مدرسة تربوية بقدر ما هي ساحة قتال.
ولعل هذا البعد الروحي هو الذي منح المقاومة الريفية قدرتها الفريدة على الصمود، وأكسب قائدها تلك الهالة الأخلاقية التي جعلت خصومه يعترفون بسموّ خلقه ونبله، قبل أن يعترفوا بعبقريته العسكرية.
الزوايا الصوفية ودورها في احتضان المقاومة..
لا يمكن فهم تجربة الخطابي دون استحضار الدور المحوري الذي لعبته الزوايا الصوفية في الريف وفي عموم شمال المغرب. فقد شكّلت هذه الزوايا، بما لها من امتداد اجتماعي وروحي، شبكة دعم أساسية للمقاومة، من حيث التعبئة، والإيواء، والتموين، وبثّ روح الجهاد في النفوس.
كانت الزوايا بمثابة منابر للتوجيه والتعبئة، حيث يُذكّر الشيوخ والمريدون بواجب الدفاع عن الثغور، ويؤصّلون شرعيًا لمشروعية القتال ضد الاحتلال، ويستنهضون الهمم بخطاب ديني يجمع بين الفقه والتصوف. كما وفّرت هذه المؤسسات فضاءات آمنة لاجتماعات القادة، ومراكز لتمرير الرسائل وتنسيق العمليات.
وقد التحم الخطابي بهذه الشبكة الروحية التحامًا عميقًا، فاحترم مشايخ الزوايا، واستأنس بمشورتهم، واستثمر مكانتهم الرمزية في توحيد القبائل وتجاوز النزاعات الداخلية. وهكذا تحوّلت المقاومة إلى فعل جماعي تتداخل فيه البندقية بالسبحة، والسيف بالذكر، والخطة العسكرية بالدعاء.
معركة أنوال.. حين ينتصر السلاح والروح معًا
تُعدّ معركة أنوال (1921) ذروة هذا التلاحم بين التخطيط العسكري والعمق الروحي. ففي مواجهة جيش إسباني يفوق المجاهدين عددًا وعدّة، استطاع الخطابي أن يحقّق نصرًا مدوّيًا غيّر موازين القوى في شمال إفريقيا، ودوّى صداه في العالم كله.
غير أن سرّ هذا الانتصار لم يكن في التكتيك وحده، بل في الروح التي سكنت المقاتلين، وفي الإيمان العميق بعدالة قضيتهم. وقد رُوي أن حلقات الذكر والدعاء كانت تسبق المعارك، وأن شيوخ الزوايا كانوا يحضرون في الصفوف الخلفية يثبّتون المجاهدين ويشحذون عزائمهم.
بهذا المعنى، لم تكن أنوال مجرد واقعة عسكرية، بل لحظة روحية كثيفة، تجلّى فيها معنى “النصر من عند الله” في أوضح صوره.
الخطابي والبعد العالمي للتجربة الروحية التحررية
لم تظل تجربة الخطابي حبيسة حدود الريف، بل تحوّلت إلى مرجع عالمي لحركات التحرر. وقد استلهم منها قادة كبار في آسيا وأمريكا اللاتينية، من أمثال ماو تسي تونغ وتشي غيفارا. غير أن ما ميّز هذه التجربة في نظرهم لم يكن فقط أسلوب حرب العصابات، بل قدرتها على الجمع بين الانضباط العسكري والبناء الأخلاقي.
وفي منفاه بالقاهرة، ظل الخطابي وفيًا لهذا النهج، مشاركًا في تأسيس لجنة تحرير المغرب العربي، داعيًا إلى وحدة الشعوب المستعمَرة، ومؤكدًا أن التحرير الحقيقي لا يكتمل إلا بتحرير الإنسان من الخوف والذل والتبعية.
الوفاة.. رحيل الجسد وبقاء الأثر..
توفي محمد بن عبد الكريم الخطابي بالقاهرة في شهر رمضان عام 1383ه الموافق ليوم 6 فبراير 1963م ، بعيدًا عن أرض الريف التي أحبها ودافع عنها، ودُفن بمقبرة الشهداء. وقد شكّل خبر وفاته حدثًا مؤلمًا في الذاكرة الوطنية المغربية، خاصة وأنه رحل دون أن يعود إلى وطنه.
ومع ذلك، فإن غيابه الجسدي لم ينه حضوره الرمزي، إذ ظلّ اسمه مقترنًا بكل خطاب عن الكرامة والسيادة والمقاومة الأخلاقية، وبقيت تجربته مصدر إلهام للأجيال، داخل المغرب وخارجه.
في ذكرى السادس من فبراير، لا نقف عند محمد بن عبد الكريم الخطابي باعتباره بطل معركة أو زعيم قبيلة، بل نستحضره باعتباره نموذجًا إنسانيًا مركّبًا: عالمًا ومجاهدًا، قائدًا ومربّيًا، رجل سياسة ورجل روح.
إن استعادة هذا البعد الصوفي في شخصيته، وإبراز دور الزوايا في مشروعه التحرري، ليس ترفًا تاريخيًا، بل ضرورة معرفية وتربوية، تعيد التوازن إلى قراءة تاريخنا، وتكشف أن المقاومة المغربية لم تكن فعل غضب أعمى، بل مشروعًا أخلاقيًا متكاملًا.
ومن هنا، فإن تخليد ذكرى الخطابي ينبغي ألا يقتصر على الشعارات والاحتفالات، بل أن يتحوّل إلى:
- إدماج تجربته في المناهج الدراسية والجامعية.
- دعم البحث الأكاديمي في أبعاده الروحية والفكرية.
- ردّ الاعتبار لتاريخ الريف النضالي.
- استلهام قيمه في بناء مواطن حرّ، مسؤول، متشبّع بروح التضحية والعدل.
رحم الله محمد بن عبد الكريم الخطابي، وجعل ذكراه منارة للأجيال، ودعوة متجددة إلى أن التحرير يبدأ من تحرير الروح، قبل تحرير الأرض.
