تقرير/
مرة أخرى، لم يتأخر المغرب في الاصطفاف خلف واشنطن. فبدافوس، وقّع وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة، ممثلاً للملك محمد السادس، ميثاق إنشاء مجلس السلام، بحضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في مشهد يختزل مسارا دبلوماسيا لم يعد يخفي تبعيته المتزايدة للإرادة الأمريكية.
لم يكن التوقيع مفاجئا، ولا يحتاج إلى كثير من التأويل. فالمغرب بات من أكثر الدول الإفريقية و”العربية” استعجالا لمباركة المبادرات الأمريكية، حتى قبل اتضاح مضامينها أو اختبار جديتها. وكأن “نعم” المغربية أصبحت تلقائية، لا تمر عبر نقاش سيادي أو تقدير مستقل للمصلحة الوطنية، بل تُمنح مسبقا لكل ما يحمل الختم الأمريكي.
اللافت أن مجلس السلام، الذي يُسوَّق له كشكل جديد من أشكال العمل الدولي، يفتقر حتى الآن إلى رؤية واضحة، أو آليات ملزمة، أو ضمانات بعدم تحوّله إلى أداة سياسية في يد واشنطن. ومع ذلك، لم يتردد المغرب في الالتحاق بالركب، مؤكداً مرة أخرى أنه لم يعد فاعلا مستقلا بقدر ما أصبح تابعا يتكيف مع اتجاه الريح القادمة من البيت الأبيض.
ولا يبدو “مجلس السلام” الذي جرى التوقيع على ميثاقه بدافوس مبادرة بريئة أو إطارا إنسانيا كما يُسوَّق له. فخلف اللغة الناعمة والمصطلحات الفضفاضة، تتشكل ملامح مشروع سياسي ثقيل، يُعاد من خلاله هندسة الصراع في الشرق الأوسط، ليس بهدف إنهائه، بل بهدف تفريغه من جوهره، وعلى رأسه القضية الفلسطينية.
توقيع المغرب على ميثاق هذا المجلس، بحضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لا يمكن قراءته خارج هذا السياق. فواشنطن، التي فشلت تاريخيا في فرض “السلام” بالقوة العسكرية أو بالوساطة المنحازة، تعود اليوم بأدوات أكثر نعومة عبر مجالس ومواثيق، شراكات دولية، وعناوين أخلاقية، تخفي في عمقها مشروعا واضحا، وإدارة الصراع بدل حله، وشرعنة نتائجه بالقوة.
في هذا الإطار، يصبح “السلام” إسما حركيا لمرحلة جديدة من الاحتلال، احتلال لا يعتمد الدبابات والجيوش بل على الإدارات والهياكل الدولية. وغزة، المنهكة بالحرب والحصار، هي الهدف الأول لهذا النموذج. فبدل الحديث عن إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، أو محاسبة مجرمي الحرب، يجري الترويج لفكرة “إعادة الإعمار تحت الوصاية”، و”إدارة ما بعد الحرب”، و”الاستقرار الأمني”، وهي كلها مفاهيم تصب في اتجاه واحد؛ نزع السيادة عن الفلسطينيين، وتحويل غزة إلى كيان مُدار دوليًا، منزوع الإرادة، وخاضع أمنيًا لإسرائيل.
مجلس السلام، بهذا المعنى، ليس سوى أداة لخدمة المصالح الإسرائيلية بأقل كلفة سياسية. فهو يزيح إسرائيل من موقع الجلاد إلى موقع “الشريك في الاستقرار”، ويحوّل الفلسطيني من صاحب قضية تحرر وطني إلى “ملف إنساني” يحتاج إلى إدارة وتمويل. وهنا يكمن الخطر الأكبر.
أما الهدف الأعمق، والأكثر خطورة، فهو وأد القضية الفلسطينية نهائيًا. ليس عبر إعلان صريح، بل عبر تفكيكها إلى ملفات تقنية وتحت عناوين؛ غزة لإعادة الإعمار، الضفة لإدارة أمنية، القدس مؤجلة، واللاجئون خارج النقاش. ومع الوقت، يُمحى جوهر القضية (الاحتلال، الأرض، السيادة، وحق العودة…).
إن أخطر ما في “السلام” حين يُفرض من الأعلى، لأنه لا يُنهي الظلم بل يُنظّمه. وأخطر ما في المجالس الدولية الجديدة، أنها قد تتحول إلى أدوات احتلال ناعم، تُغلق باب المقاومة السياسية، وتُفرغ الحق من مضمونه.
