في الأيام الأخيرة، لفتت هولندا الأنظار بحملة وطنية غير مسبوقة تحت شعار “استعد مسبقًا Denk Vooruit”؛ حملة ظهرت في كل مكان تقريبا، في التلفزيون، الإذاعات، الصحف، لوحات الشوارع، ووسائل التواصل. حملة تحمل رسالة واضحة ومباشرة؛ قد يواجه المواطنون انقطاعا في الكهرباء والإنترنت والمياه ووسائل الدفع لمدة تصل إلى 72 ساعة، وعليهم أن يكونوا مستعدين لذلك.
ورغم أن الحكومة قدّمت الأمر تحت عنوان تعزيز “جاهزية المجتمع”، إلا أن توقيت الحملة واتساعها يفتحان الباب أمام سؤال منطقي وجوهري، لماذا الآن؟
هولندا ليست دولة اعتباطية في حساباتها. اختيار مدة ثلاثة أيام ليس مجرد توصية عابرة، بل رقم يعكس تقديرات حقيقية في التخطيط للأزمات الكبرى. فهل يعني ذلك أن السلطات تتوقع ضمنيا أن إعادة تشغيل الخدمات الأساسية قد يحتاج إلى هذا الزمن؟ ولماذا الإلحاح على فكرة “الاكتفاء الذاتي” خلال الساعات الأولى؟ هل يشير هذا إلى أن خدمات الطوارئ لن تكون قادرة على تلبية كل النداءات إذا وقع ما هو أكبر؟
منذ حرب أوكرانيا، تغيّر المزاج الأمني الأوروبي بشكل واضح. تصريحات كثيرة في الناتو لم تُخفِ أن القارة تستعد لفترة طويلة من الاضطرابات المحتملة. لكن إذا افترضنا جدلا، أن الصراع مع روسيا جزء من الحسابات، فالسؤال الأهم يظهر هنا، أوكرانيا نفسها لم تشهد انقطاعا كاملا وطويلًا للكهرباء والإنترنت والمياه. فلماذا تستعد هولندا لسيناريو أشدّ قسوة؟
الإجابة تبدو أبعد من مجرد حرب تقليدية. فالحرب الحديثة لا تبدأ بالدبابات، بل بقطع الكهرباء، وتعطيل الإنترنت، وإرباك البنوك، وإسكات وسائل الدفع. التهديد الأول اليوم هو سيبراني قبل أن يكون عسكريا. وهنا، تبدو البنية التحتية الغربية أكثر هشاشة مما نحبّ أن نصدّق؛ شبكات تعتمد على مركزية عالية وترابط شديد يجعل من أي هجوم واسع ضربة قد تُربك قطاعات بأكملها خلال دقائق.
لكن ثمّة سؤال آخر أكثر حساسية، هل المسألة تتعلق بهجوم خارجي أم بخلل داخلي؟ فهولندا، بموقعها المنخفض واعتمادها الكبير على التقنيات الرقمية، تبقى معرضة لمزيج خطير من الفيضانات، وتعطّل الطاقة، وهجمات إلكترونية، وانقطاع الاتصالات. ومع ذلك، لم تُفصح السلطات يوما عن وجود ثغرة محددة تستوجب هذا النوع من الاستنفار العام.
لذلك، يبقى الغموض سيّد المشهد. ربما تكون الحملة مجرد خطوة استباقية في عالم بات أقل استقرارًا وأكثر عرضة للأزمات المتزامنة. وربما تحمل بين سطورها تقديرات لا ترغب الحكومة في إعلانها صراحة. لكن المؤكد أن الانتقال من التحذير النظري إلى التحضير العملي، وبشكل مفاجئ وعلى مستوى وطني، ليس تفصيلا يمكن تجاهله.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحا،
هل تستعد هولندا لواقع أكثر هشاشة مما تقوله رسميا؟ أم أن الأمر مجرد وقاية لا أكثر؟
إلى أن تتضح الصورة، ستظل هذه الحملة علامة استفهام كبيرة تستحق متابعة دقيقة.
