WASHINGTON, DC - JANUARY 15: (EDITOR'S NOTE: This Handout image was provided by a third-party organization and may not adhere to Getty Images' editorial policy.) President Donald Trump meets with Venezuelan opposition leader Maria Corina Machado in the Oval Office, on January 15, 2026 in Washington, D.C. (Photo by Daniel Torok/The White House via Getty Images)
تقرير/
اختارت زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو التعبير عن تقديرها للرئيس الأميركي دونالد ترامب على دوره في اختطاف الرئيس الشرعي نيكولاس مادورو، من خلال إهدائه ميدالية جائزة نوبل للسلام، في خطوة سياسية صادمة تعكس عمق ارتباط المعارضة الفنزويلية بالأجندة الأميركية على حساب السيادة الوطنية والمصلحة الشعبية.
الرئيس الأميركي لم يتأخر في التفاعل مع هذه الخطوة، إذ كتب على منصته «تروث سوشال» معبّراً عن امتنانه لما وصفه بـ«لفتة رائعة تعكس الاحترام المتبادل»، مؤكداً أن الجائزة قُدِّمت له «تقديرا للعمل الذي أنجزه». غير أن هذا التفاعل أعاد إلى الواجهة تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذا «العمل»، وما إذا كان يندرج فعلا في إطار دعم الديمقراطية؟؟
من الناحية الرمزية، يحمل إهداء ميدالية نوبل للسلام دلالات تتجاوز المجاملة السياسية، إذ يوحي بمحاولة منح شرعية أخلاقية لدور ترمب في الملف الفنزويلي. وهو دور ارتبط خلال سنوات رئاسته بسياسات «الضغط الأقصى»، والعقوبات الاقتصادية المشددة، ومحاولات عزل الرئيس نيكولاس مادورو دولياً، وصولا إلى اختطافه من مقر إقامته في العاصمة كراكاس.
في المقابل، تؤكد ماتشادو ومعسكرها أن الضغوط الأميركية و”البلطجة” الأخيرة، كانت ضرورية لدفع البلاد نحو ما تصفه بـ«الانتقال الديمقراطي». وفي تصريحاتها عقب اللقاء، قالت إنها شددت أمام الرئيس الأميركي على أن «الفنزويليين يريدون أن يعيشوا أحرارا وبكرامة وفي ظل العدالة»، معتبرة أن تحقيق ذلك «يمر عبر الديمقراطية». غير أن هذا الخطاب يصطدم بواقع اجتماعي واقتصادي معقّد، حيث أسهمت العقوبات، إلى جانب عوامل داخلية، في تعميق الأزمات المعيشية، ما جعل كلفة الصراع السياسي تقع بصورة أساسية على كاهل الشعب الفنزويلي.
في ذات السياق، لا تبدو هذه الخطوة معزولة عن التاريخ الطويل للتدخل الأميركي في أميركا اللاتينية، من غواتيمالا وتشيلي إلى نيكاراغوا وكوبا، حيث جرى مرارا توظيف شعارات «الديمقراطية» و«حقوق الإنسان» غطاءً لإسقاط حكومات وطنية أو يسارية، وفتح الطريق أمام النخب الموالية لواشنطن والشركات العابرة للقارات. وفي هذا الإطار، يُنظر إلى المعارضة الفنزويلية، وعلى رأسها تيار ماريا كورينا ماتشادو، باعتبارها امتدادا لهذا النموذج، إذ تراهن على الضغط الخارجي والعقوبات والتدويل بدل الرهان على الإرادة الشعبية والسيادة الوطنية.
لقد أثبتت التجربة اللاتينية أن التدخل الأميركي لم يجلب استقرارا ولا ديمقراطية، بل خلّف انقلابات، وديونا، ونهبا منظما للثروات، وتهميشا للأغلبية الاجتماعية. ومن هذا المنظور، فإن إهداء ميدالية «نوبل السلام» لرئيس ارتبط اسمه بسياسات الغزو والبلطجة والتدخل السافر في الشؤون الداخلية للدول، لا يُقرأ إلا كاصطفاف سياسي صريح مع هذا التاريخ، وتجاهل متعمّد للكلفة الإنسانية التي دفعها الشعب الفنزويلي نتيجة العقوبات والضغوط الخارجية.
في المقابل، تتمسك القيادة اليسارية الفنزويلية، بقيادة الرئيس المختطف نيكولاس مادورو، بخيار الصمود ومواجهة الهيمنة، باعتباره امتدادا لتجربة تحررية لاتينية سعت، رغم كل التناقضات والصعوبات، إلى استعادة القرار الوطني ووضع الثروات في خدمة الشعب لا في خدمة الإمبريالية.
وهنا يتجلى جوهر الصراع الحقيقي في فنزويلا، وهو صراع بين مشروع سيادي شعبي يستلهم تاريخ المقاومة في أميركا اللاتينية، ومشروع تابع يعيد إنتاج منطق الوصاية الخارجية. وبين هذين الخيارين، يظل الشعب الفنزويلي هو البوصلة، وهو صاحب المصلحة الأولى في الدفاع عن سيادته وحقه في تقرير مصيره بعيداً عن الإملاءات الأميركية.
