تقرير/
ما شهدته مرتفعات إقليم الحسيمة وإقليم شفشاون خلال الأسابيع الأخيرة لم يكن مجرد موجة مطرية استثنائية. كان اختبارا حقيقيا لطبيعة تعامل الدولة مع الكوارث، وكشفا صارخا للمعايير التي تعتمدها في تحديد من يستحق الاعتراف ومن يُترك لمواجهة مصيره بنفسه.
في هذه المناطق الريفية، انهارت عشرات المنازل وتشقق عدد كبير منها، وجرفت السيول الطرق والمسالك والقناطر، وعاشت دواوير بأكملها عزلة تامة لأيام وأسابيع وخصوصا في جماعة ثغزوت. انقطعت الكهرباء والاتصالات، وتوقفت الدراسة لأسابيع، بينما نفقت أعداد كبيرة من الماشية وتضررت مساحات واسعة من الفلاحة المعيشية، خصوصًا أشجار الزيتون التي تمثل مصدر رزق أساسي لآلاف الأسر.
على الرغم من هذه المعطيات الميدانية، لم تُدرج الحسيمة وشفشاون ضمن لائحة المناطق المعلنة كمناطق منكوبة. في المقابل، أعلنت الحكومة أربعة أقاليم في الغرب مناطق منكوبة بسبب الفيضانات نفسها. لماذا الغرب نعم، والريف لا؟
الإجابة تكمن في منطق الدولة في التعامل مع الكوارث. فالاعتراف الرسمي لا يقتصر على حجم الأضرار، بل يرتبط بالأثر الاقتصادي والسياسي للخسائر. أقاليم الغرب تمثل قطبا فلاحيا واستثماريا استراتيجيا وتمس بشكل مباشر مصالح الحيتان الكبيرة وأصحاب رؤوس الأموال في مجال الفلاحة، وخسائرها تُترجم مباشرة إلى أرقام في ميزان الاقتصاد الوطني. بينما الريف يعتمد على فلاحة صغيرة ومعيشية، لا تُقاس أهميتها إلا بحياة الناس اليومية، وليست أرقاما في الحسابات الكبرى.
المفارقة الأوضح أن جزءا كبيرا من المياه التي أغرقت سهول الغرب جاءت من مرتفعات الريف نفسها، عبر روافد سد الوحدة التي تصب في وادي سبو. أي أن المصدر الذي أنتج الكارثة لم يُعترف به، بينما استُشهد بالنتيجة فقط. هذا الانفصال بين المصدر والنتيجة يعكس ترتيبًا ضمنيًا للأولويات في حماية مناطق الإنتاج الكبرى أولا، على حساب المناطق التي تتحمل العبء البيئي لهذه الاختيارات.
الريف، منذ عقود، يُدار بمنطق خاص وحضور الدولة فيه غالبا حضورا أمنيا، بينما الاستثمار الاجتماعي محدود أو متأخر. وهذا الحضور يتجسد في المراقبة والضبط الأمني أكثر مما يتجسد في البنية التحتية والاستثمار، وفي السيطرة أكثر مما يتجسد في الحقوق. ما يجعل أي قرار متعلق بالاعتراف بالمأساة أكثر اعتمادا على حسابات السياسة والاقتصاد منه على حجم المعاناة الفعلية.
استثناء الحسيمة وشفشاون من إعلان المناطق المنكوبة ليس مجرد خطأ إداري، بل امتداد لمنطق الاستثناء ذاته الذي يحكم العلاقة بين المخزن وهذه الجغرافيا التاريخية. الاعتراف الرسمي يعني فتح اعتمادات مالية وتعويضات، وبرامج إعادة إعمار.
من حق الناس في الريف أن تسأل لماذا لم تعلن منطقتها منطقة منكوبة، بل لماذا تظل علاقة المخزن بالريف علاقة استثناء دائمة. فالاعتراف لا يقتصر على مجرد إجراء إداري، بل هو اختبار لمفهوم العدالة المجالية، ولقدرة الدولة على ضمان حقوق جميع مواطنيها بنفس المبدأ، بغض النظر عن الوزن الاقتصادي أو السياسي للمنطقة.
وإلى أن يُعاد النظر في هذا المنطق، ستظل كل كارثة طبيعية في الريف مناسبة جديدة لطرح السؤال نفسه، هل الريف جزء كامل من الوطن، أم مجرد هامش يُستدعى فقط عند الحاجة إلى موارده؟
