في واحدة من أكثر لحظات التوتر حساسية بين الولايات المتحدة وإيران، ألغى الرئيس الأميركي دونالد ترامب الليلة الماضية، ضربة عسكرية كانت وشيكة في “اللحظة الأخيرة”. الرواية الرسمية التي سُوّقت تحدثت عن ضغوط دبلوماسية إقليمية، لكن القراءة المتعمقة للمشهد تكشف أن العامل الحاسم لم يكن سياسيًا، بل عسكريًا وأمنيًا بامتياز.
بحسب تقارير غربية، من بينها وكالة الأنباء الفرنسية، مارست دول إقليمية كالسعودية وعُمان وتركيا ومصر ضغوطًا مباشرة على واشنطن لتجنب التصعيد. هذه الدول حذّرت من أن أي ضربة ضد إيران قد تشعل الخليج، وتهدد أمن الطاقة العالمي، وترفع أسعار النفط، فضلًا عن زعزعة الاستقرار الإقليمي.
كما أُشير إلى قنوات تواصل غير مباشرة بين واشنطن وطهران، طمأنت الإدارة الأميركية بشأن بعض الملفات الداخلية الإيرانية، ما ساهم وفق هذه الرواية (والتي تبدو غير صحيحة) في خفض منسوب التوتر ومنح الدبلوماسية وقتًا إضافيًا.
كل هذه المعطيات قد تكون صحيحة، لكنها لا تفسر وحدها قرار التراجع المفاجئ.
السبب الأعمق والأكثر تأثيرًا كان الجاهزية الإيرانية للرد. في تلك اللحظة، لم تكن الولايات المتحدة تواجه خصمًا عاجزا أو معزولا، بل دولة أعلنت عمليًا استعدادها لخوض مواجهة إقليمية شاملة.
القواعد الأميركية في الخليج والعراق وسوريا كانت مكشوفة جغرافيًا، وقصيرة المدى أمام الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية. إضافة إلى ذلك، كانت منظومات الرد الإيرانية مفعّلة، ورسائل الردع قد وصلت بوضوح، بأن أي ضربة لن تمر دون ثمن، ولن تقتصر على مسرح عمليات واحد.
حتى “إسرائيل” لم تكن بمنأى عن هذا السيناريو، في ظل تقديرات استخباراتية تحدثت عن احتمال توسع المواجهة لتشمل أكثر من جبهة.
ترمب لم يكن رئيسا تقليديا، لكنه كان شديد الحساسية تجاه الخسائر الأميركية المباشرة. ضرب إيران كان يعني احتمال سقوط قتلى أميركيين، وتحوّل نزاع محدود إلى حرب إقليمية واسعة، وهو سيناريو يتناقض مع خطابه الانتخابي القائم على “عدم التورط في حروب جديدة”.
لذلك، لم يكن التراجع نابعا من “توسلات” إقليمية بقدر ما كان حسابا باردا للكلفة العسكرية والسياسية.
هل أُلغي قرار الحرب أم أُجّل؟
المؤشرات توحي بأن الخيار العسكري لم يُسقط بالكامل، بل جرى تأجيله. فالتحركات العسكرية الأميركية مستمرة، والضغط السياسي لم يتوقف. ما تغيّر هو التوقيت فقط.
تراجع ترامب عن الضربة لم يكن انتصارا للدبلوماسية، ولا خضوعا لضغوط الحلفاء، بل نتيجة إدراك واضح بأن إيران ليست هدفًا سهلًا، وأن أي مواجهة ستكون مكلفة ومفتوحة وغير مضمونة النتائج.
