في هذا البلد المسمى “المغرب”، لا تحتاج إلى كاميرات خفية ولا إلى لجان تقصي الحقائق كي ترى الفساد؛ يكفي أن تفتح عينيك. يكفي أن تتأمل الطريقة التي تُدار بها المؤسسات، والأسلوب الذي تُصنع به القرارات، والمنطق الذي تُوزن به “الأخلاق”.
فالفساد هنا ليس حادثا معزولًا، إنه نظام تنفّس.
واللّأخلاق ليست شذوذا عن القاعدة، إنها القاعدة ذاتها.
لم يكن الفيديو المسرب من داخل لجنة «الأخلاقيات» الذي نشره حميد المهدوي مجرد وثيقة إعلامية أخرى، بل زلزالا صغيرا كشف حجم الفجوة بين ما تقوله الدولة وما تمارسه.
تلك اللقطات، بما حملته من ارتباك وتناقضات و”تشرميل” ولغة زنقوية ساقطة وخيانة الأمانة، لم تفضح لجنة واحدة، بل فضحت نموذج حكم بأكمله؛ نموذج يقف على حدود الأخلاق بالكلام، ويتجاوزها بالفعل.
فما ظهر في التسجيلات هو العقلية ذاتها التي تحكم بها الدولة منذ عقود، عقلية المخزن التي لا ترى في المؤسسات سوى واجهات، ولا تؤمن بالشفافية إلا حين تخدم مصالحها، وتُحوّل “الأخلاق” من قيمة إلى أداة، ومن معيار إلى سلاح.
وهكذا يصبح طبيعيا أن تتحول لجان الأخلاقيات من هيئات للحماية إلى أذرع للضبط، ومن فضاءات للنزاهة إلى منصّات لإسكات الأصوات الحرة حين تعلو أكثر مما ينبغي.
هذه اللجان، على اختلاف مسمياتها تأديبية، تنظيمية، مهنية. ليست في كثير من الأحيان سوى أدوات مخزنية تُستخدم عند الحاجة، فتفتح ملفاتها حين يريدون ضرب صحفي مزعج، وتُغلق حين يتعلق الأمر برؤوس ورموز الفساد والسلطوية، وتتحرك بحدة حين يتكلم معارض،وتتجمد حين يتعلق الأمر بتجاوز داخل الدار نفسها.
ليس سرًا أن الدولة تُتقن خلق “لجان لكل شيء”؛ لجان للتحقيق، لجان للأخلاق، لجان لتأطير ما هو غير قابل للتأطير. لكن الغريب أن كل هذه اللجان تفشل في مهمتها الأساسية، في تعزيز الثقة. بل تبدو وكأنها وُجدت لتكريس نفس الهندسة السلطوية القديمة. الهندسة التي تُفضل الولاء على الكفاءة،
والصمت على الجرأة، والإجماع المصطنع على الاختلاف الحقيقي.
وهذا التسريب لم يكشف فقط غياب الأخلاق داخل لجنة رفعت اسم الأخلاق، بل كشف ثقافة حكم، ثقافة ترى أن النقد تهديد، وأن استقلالية الصحافة خطر، وأن كل صوت حر مشروع “مجرم” يجب عقابه.
وحين تتزاوج عقلية المخزن مع الفساد، تولد منظومة تُعاقِب من يكشف الخلل بدل أن تُصلح الخلل نفسه. فتُصبح اللجان محاكم صامتة، وتُصبح المؤسسات سواتر، وتُصبح الدولة نفسها تعيش في ظل خطاب أخلاقي بينما ممارستها تتحرك في الضفة الأخرى تماما.
الفساد في هذا البلد ليس استثناء؛ إنه نظام دفاع. واللاأخلاق ليست انحرافا؛ إنها لغة حكم.
وفي المحصلة، هذا التسريب لم يصنع فضيحة بل كشف الستار عن فضيحة قائمة منذ زمن.
فضيحة دولة تطلب من مواطنيها احترام القانون بينما لجانها لا تحترم أبسط قواعد النزاهة.
دولة ترفع شعار الأخلاق بينما أدواتها تُستخدم في التشويه والشيطنة والتأديب السياسي.
لقد رأى الناس ولو للحظة ما يجري خلف الأبواب المغلقة، لقد رأوا كيف تُصنع القرارات، وكيف تُطبخ الملفات، وكيف تتحول “الأخلاق” إلى واجهة، و”اللجان” إلى عصا، و”المؤسسات” إلى أختام.
والسؤال اليوم ليس، ماذا قالت اللجنة في التسريب؟
بل ماذا تقول الدولة عن نفسها حين تتصرف لجانها بهذه الطريقة؟
وهل يمكن لسلطة تخشى الحقيقة أن تبني ثقة؟
وهل يمكن لدولة تُلاحق الكلمة أن تصنع احترامًا؟
وهل يمكن لمنظومة تحارب الشفافية أن تطلب الشرعية؟
التسريب كان مجرد نافذة، لكنّ ما ظهر من خلالها كان بيتا كاملا بلا جدران. وإذا كانت الدولة تريد حقًا أن تحافظ على صورتها إن بقيت لها صورة أصلا، فليس عبر تهديد الصحفيين والمعارضين والاصوات الصادقة، بل عبر مصارحة شجاعة.. مصارحة تعترف بأن البناء مؤزّم، وأن الثقة متآكلة، وأن عقلية المخزن لا يمكنها أن تحكم زمنا جديدا بعقلٍ قديم.
