- إلياس المرابط
بعد ست سنوات من الجفاف الحاد الذي أنهك التربة واستنزف الفرشات المائية، استقبل المغرب نهاية 2025 وبداية 2026 بتساقطات مطرية غزيرة وُصفت بالاستثنائية. غير أن هذه “النعمة” لم تتحول إلى انفراج فلاحي كما كان مأمولًا، بل انقلبت في مناطق واسعة من الشمال والغرب إلى فيضانات مدمرة أتلفت المحاصيل وفضحت هشاشة البنية الزراعية. هنا تبرز المفارقة الحقيقية: المشكلة لم تعد في غياب الماء، بل في طريقة تدبيره. فكيف لبلد استثمر لعقود في سياسة السدود أن يعجز عن تحويل وفرة الأمطار إلى مكسب فلاحي مستدام؟ وهل نحن أمام أزمة مناخية فقط، أم أمام فشل هيكلي في نموذج التدبير؟
ضربت الفيضانات الأخيرة مناطق تُعد من القلب الإنتاجي للفلاحة المغربية، خاصة سهول الغرب وحوض اللوكوس. ومع امتلاء السدود عن آخرها، اضطرت السلطات إلى تصريف كميات هائلة من المياه، ما أدى إلى غمر آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية. النتيجة كانت مباشرة: تلف الزراعات الخريفية، إغراق مزارع الخضروات والفواكه الحمراء، انهيار صوبات، وتعطيل قنوات الري. لكن الأخطر من الخسائر المادية هو تكرار السيناريو نفسه الذي يكشف أن هذه الفيضانات لم تعد حدثًا استثنائيًا، بل نتيجة متوقعة لتساقطات فجائية في منظومة غير مهيأة لاستيعابها.
وفق تقديرات أولية، غمرت الفيضانات آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية في سهول الغرب وحوض اللوكوس، وأتلفت محاصيل موسمية وأشجار مثمرة على نطاق واسع. كما تسببت في خسائر جسيمة للبنية الفلاحية، من انهيار صوبات إلى تعطيل قنوات الري، بينما ارتفع منسوب السدود إلى مستويات قياسية لم تُسجل منذ ما يقارب عشر سنوات. ورغم أن هذه الوفرة المائية تُحسب وطنيًا كإنجاز، فإنها محليًا تحولت إلى عبء ثقيل على الفلاحين الصغار الذين فقدوا محاصيلهم ومراعيهم دون تعويض فوري.
الكسابة بدورهم وجدوا أنفسهم في مأزق حقيقي؛ مراعي غارقة، قطعان محاصرة، وارتفاع حاد في كلفة الأعلاف. ورغم المطالب بإعلان المناطق منكوبة، يظل تدخل الدولة غالبًا متأخرًا، جزئيًا، ومحدود الأثر، خاصة بالنسبة للفلاحين الصغار غير المؤمنين وغير المندمجين في برامج الدعم الكبرى.
لا يمكن إنكار أن التساقطات الأخيرة رفعت مخزون السدود إلى مستويات قياسية لم تُسجل منذ قرابة عقد. غير أن الاحتفاء بهذه الأرقام يخفي سؤالًا جوهريًا: لمن تُخدم هذه الوفرة؟ صحيح أن توفر المياه سيُنعش الزراعات الربيعية والصيفية ويضمن استمرارية برامج الري الكبرى، لكن هذا “النجاح” يظل محصورًا في الدوائر المنظمة والمحمية. أما المناطق التي غرقتها الفيضانات، فقد دفعت ثمنًا مضاعفًا: خسارة المحصول الحالي، وانتظار تعويضات قد لا تأتي أو لا تكفي. بهذا المعنى، تتحول السدود من أداة للأمن المائي إلى عنصر يفاقم التفاوتات المجالية، حيث تُحسب الوفرة وطنيًا بينما تُدفع الخسارة محليًا.
تكشف هذه الأزمة مرة أخرى هشاشة النموذج الفلاحي المغربي، خاصة في ما يتعلق بالحبوب. فبعد سنوات الجفاف، ارتفعت نسبة الاعتماد على الاستيراد إلى مستويات مقلقة، ما جعل الأمن الغذائي رهينة للأسواق الدولية وتقلباتها. ورغم الخطاب الرسمي حول استراتيجية “الجيل الأخضر”، فإن الواقع يُظهر أن الأهداف المعلنة لا تصمد أمام أول اختبار مناخي حاد. فالتأمين الفلاحي، الذي يُفترض أن يكون صمام أمان، ما يزال مكلفًا ومعقدًا، ويستثني عمليًا شريحة واسعة من الفلاحين الصغار.
الأخطر أن الدولة، بدل مراجعة النموذج، تواصل إدارة الأزمات بالمنطق نفسه: دعم ظرفي، استيراد مكثف، وترحيل الكلفة إلى الميزان التجاري وإلى جيوب المستهلكين.
تحويل هذه الأزمة إلى فرصة لا يمر عبر مزيد من السدود أو الأرقام المطمئنة، بل عبر مراجعة جذرية لأنماط الإنتاج والتدبير. الاستثمار في أصناف مقاومة للتقلبات المناخية، تعميم الري التكميلي، وحماية الأراضي المنخفضة من الفيضانات ليست ترفًا تقنيًا، بل شروط بقاء. كما أن تقليص التبعية للحبوب المستوردة يتطلب سياسة تخزين استراتيجية حقيقية، لا تقل عن أربعة إلى ستة أشهر، وإعادة الاعتبار للإنتاج المحلي الموجه للاستهلاك الداخلي، لا فقط للتصدير.
تكشف فيضانات 2026 حقيقة صادمة: الأزمة الفلاحية في المغرب لم تعد أزمة مطر، بل أزمة نموذج. فحين تتحول وفرة المياه إلى كارثة، فهذا يعني أن الخلل بنيوي لا ظرفي. الأمن الغذائي ليس ملفًا تقنيًا يُدار بالأرقام، بل رهان سيادي يمس استقرار المجتمع وقدرة الدولة على حماية مواطنيها. والدولة التي لا تتحكم في غذائها، ستظل دائمًا رهينة تقلبات لا تصنعها وحدها، لكنها تتحمل مسؤولية سوء الاستعداد لها.
