صبحي بوديح/
على أجهزة الدولة أن تبادر إلى تقديم تطمينات واضحة وعملية للمواطنين بمدينة القصر الكبير، لاسيما التجار الصغار والحرفيين وأرباب المقاولات الصغرى جدًا، الذين فقدوا مصادر رزقهم نتيجة الفيضانات الأخيرة.
إن نجاعة التدخل الرسمي في مثل هذه الظروف لا تُقاس فقط بحجم التدخلات التقنية أو الإسعافية، بل بقدرة الدولة على تطويق الكوارث الاجتماعية والاقتصادية التي تُخلّفها الكوارث الطبيعية، وحماية الفئات الهشة من السقوط في الهشاشة أو الإفلاس.
وتجدر الإشارة إلى أن تدبير الأزمات الطبيعية ليس قدَرًا محتومًا، بل هو مسألة حكامة واستباقية. فقد قدّمت الحكومة الإسبانية، قبل سنة من الآن، نموذجًا في التعامل مع فيضانات مدينة فالنسيا، عبر سرعة التدخل، ووضوح التواصل، وإقرار آليات دعم وتعويض مباشرة لفائدة المتضررين.
إن استحضار مثل هذه التجارب المقارنة يفرض اليوم ضرورة انتقال التدخل العمومي من منطق ردّ الفعل الظرفي إلى منطق الحماية الاجتماعية والاقتصادية المستدامة، بما يعيد الثقة للمواطن ويؤكد أن الدولة حاضرة في لحظات الشدة كما في أوقات الرخاء.
إن تطويق الصعوبات الاجتماعية المصاحبة للكوارث الطبيعية يُشكّل عاملا حاسما في ترسيخ إحساس المواطنين بالانتماء والاهتمام، ويعكس جدية الدولة في حماية السلم الاجتماعي في لحظات الأزمات. ومن هذا المنطلق، فإن أجهزة الدولة المغربية مدعوة اليوم إلى الاشتغال على واجهتين متكاملتين للحد من آثار فيضانات القصر الكبير: الواجهة الاقتصادية من خلال جبر الخسائر ودعم الأنشطة المتضررة، والواجهة الاجتماعية عبر حماية الأسر ومصادر عيشها من الانهيار.
إن التعامل مع الكوارث لا ينبغي أن يختزل في التدخلات الظرفية أو المقاربات التقنية الصرفة، بل يتطلب رؤية شمولية تُدرِك أن الخسائر الاقتصادية سرعان ما تتحول إلى أزمات اجتماعية إن لم تتم معالجتها في وقتها وبالوسائل المناسبة.
وفي هذا السياق، يظل من الضروري استحضار ما رافق تدبير آثار زلزال الحوز، حيث سُجّل تباطؤ في عملية إيواء المتضررين، وتوتر في العلاقة مع الساكنة، بلغ حدّ التضييق على الحركات المطلبية التي كانت تعبّر عن مطالب مشروعة بحلول عاجلة ومعقولة. إن تكرار هذه المقاربة من شأنه أن يُعمّق فجوة الثقة ويُحوّل الكارثة الطبيعية إلى أزمة اجتماعية وسياسية مركبة.
وعليه، فإن المرحلة الراهنة تستدعي مقاربة تقوم على السرعة في القرار، والوضوح في التواصل، والإنصات الفعلي للمتضررين، بما يضمن معالجة آثار الفيضان دون المساس بحقوق المواطنين في الاحتجاج والتعبير، ويؤكد أن الدولة قادرة على التعلم من التجارب السابقة وتصحيح اختلالاتها.
