تحليل سياسي/ عماد العتابي
لم يكن سقوط فنزويلا بهذه السرعة، وبهذا القدر من الانسيابية، حدثًا يمكن تفسيره فقط بتفوق عسكري أمريكي أو ضربة خاطفة ناجحة. ما جرى أقرب إلى انهيار مُدار من الداخل، أو تسليم محسوب أكثر منه اقتحامًا كلاسيكيا لدولة ذات سيادة.
الدولة التي صمدت سنوات تحت أقسى العقوبات وتعايشت مع محاولات انقلاب وضغوط دولية خانقة لا تسقط فجأة في ساعات قليلة ما لم تكن بنيتها الداخلية قد فُككت مسبقًا، أو ما لم يكن القرار قد اتُّخذ في مكان ما بأن زمن المواجهة قد انتهى.
الفرضية الأكثر ترجيحًا هي وجود تفاهمات غير معلنة بين واشنطن وموسكو حول الملف الفنزويلي. روسيا، المنهمكة في ساحات أكثر مركزية لمصالحها، قد لا ترى في فنزويلا تلة تستحق معركة كبرى، خصوصًا إذا كانت المقايضة تتعلق بمناطق نفوذ أكثر حساسية في أوروبا الشرقية أو آسيا.
الصمت الروسي النسبي وغياب أي تحرك ردعي عملي يفتح الباب واسعًا أمام قراءة مفادها أن فنزويلا كانت بندًا ثانويًا في حسابات أكبر، وأن التخلي عنها قد تم ضمن إعادة ترتيب أولويات لا تُعلن في البيانات الرسمية.
لكن التفاهمات الدولية وحدها لا تفسر المشهد كاملًا. ما بدا أوضح هو تصدع الداخل الفنزويلي نفسه، حيث ظهرت ملامح خيانة ناعمة داخل النظام، لا على هيئة تمرد عسكري، بل في صورة حياد قاتل.
سلوك وزير الدفاع، ونبرته الهادئة وارتياحه الظاهر في لحظة يُفترض أنها وجودية للنظام، لا يمكن قراءته إلا كإشارة إلى أن القرار لم يكن قرار مادورو وحده، وأن مفاصل القوة الحقيقية اختارت عدم الاشتباك. في مثل هذه اللحظات، لا تُهزم الأنظمة بالقوة، بل تُسلَّم حين تتآكل إرادة الدفاع من داخلها.
هذا السقوط المنظّم، بتواطؤ داخلي وصمت خارجي محسوب، ليس تفصيلا ثانويا، بل هو المفتاح لفهم ما سيأتي لاحقا. فالدول لا تُفكك بهذا الشكل إلا عندما يكون موقعها أهم من نظامها، وثروتها أهم من خطابها، ودورها في معادلة أكبر قد حُسم مسبقًا.
ومن هنا، لا تعود فنزويلا مجرد دولة سقطت، بل تتحول إلى قطعة أُعيد وضعها بعناية على رقعة صراع عالمي، عنوانه الحقيقي ليس كراكاس وحدها، بل الطاقة العالمية، وإيران، ومضيق هرمز.
مضيق هرمز يمر عبره نحو عشرين بالمئة من النفط العالمي، وأي تعطيل جزئي أو كلي له يؤدي فورًا إلى صدمة سعرية واضطراب اقتصادي عالمي. إيران، التي تمتلك القدرة على تهديد هذا الممر، تستخدمه كسلاح ضغط سياسي واقتصادي منذ سنوات، والتهديد بإغلاقه في حال تصعيد عسكري أمريكي وإسرائيلي أو تهديد مباشر لأمنها ليس مجرّد كلام بل أداة استراتيجية حقيقية.
وهنا تتضح أهمية فنزويلا، فالسيطرة على أكبر احتياطي نفطي مثبت في العالم يعني أن الولايات المتحدة تضع في يدها احتياطيا استراتيجيا يمكن تفعيله تدريجيًا لتعويض أي شلل في الشرق الأوسط والخليج، وإعطاء الأسواق والعالم قدرة على التنفس في حال وقوع الصدام.
النقطة الجوهرية ليست ضخ النفط فورًا، بل القدرة على السيطرة على هذه الثروة الهائلة، ووضع اليد على البنية التحتية، وتجهيزها لتكون شبكة أمان جاهزة للتفعيل. بهذا تصبح فنزويلا بوليصة تأمين للطاقة العالمية ضد أي صدمة محتملة نتيجة إجراءات إيران في مضيق هرمز.
كما أن هذه الخطوة تحمل رسالة سياسية مزدوجة إلى طهران بأن تهديدها النفطي محدود التأثير، وإلى الأسواق بأن هناك بديل استراتيجي يمكن الاعتماد عليه، ما يقلل بشكل كبير من قوة الابتزاز النفطي الإيراني.
ربط فنزويلا وإيران لا يقتصر على النفط فقط، بل يشمل تفكيك شبكة الدعم المتبادل بين خصوم واشنطن. فنزويلا كانت منصة خلفية لإيران في نصف الكرة الغربي، سواء عبر التعاون النفطي أو كسر العقوبات أو التموضع الرمزي. ضرب هذه المنصة يعني تضييق الخناق على إيران قبل المواجهة، وتجفيف إحدى ساحات الالتفاف الاستراتيجي، بالتوازي مع تحصين الجبهة الاقتصادية العالمية.
الاستيلاء على فنزويلا لا يبدو إذن مجرد خطوة سياسية قصيرة المدى، بل جزء من خطة أمريكية أكثر اتساعًا لإعادة ترتيب أوراق الصراع العالمي، وتأمين الطاقة، وإضعاف أوراق خصومها الاستراتيجية قبل أن تبدأ المواجهة الكبرى. فنزويلا، اليوم، لم تعد مجرد دولة نفطية، بل صمام أمان عالمي، وأداة ضغط سياسية، ورمزًا لاستراتيجية الاستباق، حيث تُدار المعارك الكبرى قبل أن تبدأ، من خلال السيطرة على الموارد وإعادة ترتيب موازين القوى.
في هذه اللحظة، يمكن القول إن سقوط فنزويلا هو البداية العملية لتنفيذ استراتيجية أمريكية واسعة النطاق، وهي استراتيجية تجعل من النفط الفنزويلي احتياطيًا عالميًا جاهزا، من شأنه حماية الأسواق العالمية، وتحجيم تأثير إيران، وتأمين قدرة الولايات المتحدة على إدارة صراع محتمل دون انهيار اقتصادي أو سياسي. هنا، يتحول النفط الفنزويلي إلى أداة جيوسياسية بامتياز، وإلى الضمانة الأكبر لعالم يسير على حافة صراع إقليمي عالمي محتمل.

سوف تكون سنة العمليات المفاجئة بامتياز.. حيث تكون أمريكا دائما داخل المحور!!