باريس/ فرنسا
تشهد الساحة الأوروبية في الآونة الأخيرة توجهًا متزايدًا نحو إعادة تنظيم استعمال شبكات التواصل الاجتماعي، خاصة من طرف فئة القاصرين، في ظل تصاعد المخاوف المرتبطة بتأثير هذه المنصات على الصحة النفسية للأطفال والمراهقين، وانتشار المحتوى غير الملائم، والأخبار المضللة، وخطاب الكراهية.
وفي هذا الإطار، اتخذت فرنسا خطوات متقدمة من خلال إقرار تشريعات تُلزم منصات التواصل الاجتماعي باعتماد آليات تقنية للتحقق من أعمار المستخدمين، ومنع الولوج إلى هذه المنصات لمن هم دون سن الخامسة عشرة، إلا بشروط محددة وبموافقة أولياء الأمور. ويجري حاليًا بحث عدد من الوسائل التقنية لتنزيل هذا التوجه، من بينها التحقق عبر الهوية الرقمية أو استخدام تقنيات بيومترية لضمان دقة تحديد السن.
من جهتها، أعلنت إسبانيا عن إعداد مشروع قانون مماثل يهدف إلى تعزيز حماية القاصرين في الفضاء الرقمي، وإلزام الشركات المالكة للمنصات باحترام معايير أكثر صرامة فيما يتعلق بمراقبة المحتوى، والحد من الإعلانات الموجهة للأطفال، وتوفير أدوات فعالة للرقابة الأبوية.
ويرى مختصون في قضايا الإعلام الرقمي أن هذه الإجراءات تعكس تحولًا في السياسات العمومية الأوروبية، من الاكتفاء بالتوعية إلى تبني مقاربة تنظيمية أكثر صرامة، تُحمّل المنصات مسؤولية مباشرة في حماية الفئات الهشة.
كما يؤكد الخبراء أن الرهان لا يقتصر فقط على تقييد الولوج، بل يشمل كذلك ترسيخ ثقافة الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا، عبر إدماج التربية الرقمية في المناهج الدراسية، وتكثيف حملات التحسيس الموجهة للأسر.
ويُنتظر أن تفتح هذه التجارب نقاشًا أوسع داخل دول أخرى، خاصة في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، حول ضرورة تحديث الأطر القانونية المؤطرة للفضاء الرقمي، بما يوازن بين حرية التعبير وحماية المجتمع، ولا سيما الأطفال والمراهقين، من المخاطر المتنامية لعالم الإنترنت.
