عماد العتابي
يُقال إن للوديان ذاكرة لا تخطئ، وإن المياه مهما حُرّفت مساراتها تعود يومًا لتستعيد طريقها الأصلي. ما حدث في آسفي ليس خروجًا عن هذه القاعدة، بل تأكيدٌ مأساوي لها. غير أن الكارثة الحقيقية لم تكن في عودة المياه، بل في استمرار دولةٍ تتصرّف وكأن الذاكرة وحدها حكرٌ على الطبيعة، لا على المؤسسات.
في المغرب، يعيش عشرات الآلاف من المواطنين داخل مجالات كانت في الأصل أوديةً ومجاري سيول، في أحياء هشة وبنيات تحتية متآكلة، وكأننا نُراكم شروط الفاجعة بدل أن نمنع وقوعها.
آسفي، ليلة الفيضان، لم تكن ضحية المطر وحده، بل ضحية خيارات عمرانية مرتجلة، وتهاون إداري مزمن، وصمتٍ رسمي اعتاد انتظار الكارثة ليُصدر بيانات التعزية.
الأخطر في فاجعة واد الشعبة ليس فقط عدد الضحايا، الذي تجاوز الأربعين شهـ.يدا مع تداول أرقام مرشحة للارتفاع، بل الحقيقة التي تكشفها وثائق رسمية تؤكد أن ما وقع كان معروفا ومُحذَّرا منه مسبقًا.
وثيقة مؤرخة في 5 يناير 2022، متعلقة بمشروع إعادة تهيئة واد الشعبة، شخّصت الخطر بوضوح، وحددت الأحياء المهددة (الشعبة، القناطر، المدينة القديمة)، وأقرت بوجود حوالي 850 شخصًا في وضعية تهديد مباشر، واقترحت حلولا تقنية وقائية لحماية الساكنة.
ورغم مرور قرابة ثلاث سنوات، لم تتحول تلك التحذيرات إلى أفعال، ولم تُستكمل الأشغال المعلنة، إن كانت قد انطلقت أصلا. النتيجة كانت معروفة سلفًا.. أرواح تُزهق، وأسر تُفجع، ومدينة تدفع ثمن الإهمال.
لهذا، لا يمكن الحديث عن “مفاجأة طبيعية”، ولا عن “ظرف استثنائي”، ولا عن “قوة قاهرة” تُسقط المسؤولية. نحن أمام فشل مؤسساتي صريح في تفعيل سياسات الوقاية، وتقصير جسيم في حماية الحق في الحياة، وهو ما يفتح باب المساءلة السياسية والإدارية والتقنية، دون مواربة أو تمييع.
إن فاجعة آسفي تعيد طرح سؤال السياسات الوقائية في تدبير المخاطر الطبيعية، ومدى جدية الانتقال من منطق التدخل بعد الكارثة إلى منطق الوقاية قبل وقوعها، خاصة في المدن التي تعرف هشاشة عمرانية واضحة.
