عماد العتابي
ما جرى في الأيام الأخيرة ليس أحداثا متفرقة. استهداف سفينة أسطول الصمود العالمي في تونس، ثم إصدار جيش الاحتلال أمرًا بإخلاء مليون إنسان من غزة، يشي بأن المخطط أكبر من مجرد “عملية عسكرية”. نحن أمام مشروع متكامل، يُراد له أن يغير وجه غزة والمنطقة برمتها.
قرار إخلاء غزة بالكامل هو أخطر ما صدر منذ بداية الحرب. فالمسألة لم تعد تقتصر على إخلاء أحياء محددة أو مناطق قتالية، بل أوامر شاملة تدفع سكان مدينة كاملة إلى النزوح. والنتيجة كارثية، مليون إنسان في العراء، بلا مأوى ولا ضمانات، يتزاحمون في مناطق مكتظة أصلاً، في ظروف إنسانية كارثية.
هذا النوع من الأوامر لا يخرج من فراغ. إنه يتناغم مع خطاب إسرائيلي يتكرر منذ شهور: “يجب تشجيع الفلسطينيين على الخروج من غزة”. وهنا يكمن الخطر، فالإخلاء ليس إجراءً مؤقتا، بل خطوة في اتجاه التهجير القسري.
إن حادثة استهداف سفينة ف “Family Boat” التابعة لأسطول الصمود في ميناء سيدي بوسعيد التونسي، سواء كانت ضربة درون أو حريقا عرضيا كما تقول السلطات التونسية، لم تمر بلا معنى. المنظمون نشروا تسجيلا يظهر جسما مضيئا يضرب القارب ويتبعه دخان ونيران. تحمل رسالة واضحة، أي محاولة لكسر الحصار أو مدّ شريان حياة لغزة ستُواجه بالقوة.
إسرائيل تعلم أن هذه القوافل تحمل قيمة رمزية هائلة. لأنها تكسر صورة غزة المحاصرة والمعزولة، وتربطها بالعالم. لهذا كان لا بد من تحذير مبكر، بلغة النار، حتى قبل أن تبحر القوافل نحو سواحل القطاع.
لكن العقبة الحقيقية أمام مخطط التهجير لم تأتِ من أسطول مدني، بل من مصر. القاهرة أعلنت بوضوح منذ بداية الحرب أن لا تهجير ولا توطين في سيناء. هذا الموقف شكّل جدار صد أمام أي محاولة لدفع الفلسطينيين خارج أرضهم.
ولهذا السبب، لم يجرؤ الاحتلال حتى الآن على فتح “باب سيناء”. لكن، وكما هو معروف، حين تعجز إسرائيل عن تجاوز عائق مباشر، تُطلق حلفاءها وأدواتها. وهكذا رأينا في الأشهر الأخيرة تصعيدًا غير مسبوق ضد مصر، تقوده جحافل الإخوان المسلمين عبر الحملات الإعلامية والرقمية. والهدف واضح، إضعاف الدولة المصرية وتشويه صورتها لتمرير المخطط.
إن استهداف مصر هنا ليس تفصيلا جانبيا، بل جزء أصيل من مشروع التهجير. فإضعاف القاهرة يعني فتح الطريق أمام تحويل سيناء إلى “خزان بشري” للمهجّرين من غزة.
هذا السيناريو ليس فقط ضد غزة. إذا تحقق، فإنه يفتح الباب أمام “مشروع إقليمي” يقوم على تصفية القضية الفلسطينية ديموغرافيًا. غزة بلا أهلها، سيناء مثقلة باللاجئين، والضفة تُحاصر تدريجيا. حينها، لن يبقى شيء اسمه “حق العودة”، ولن تكون هناك أرض أصلًا ليُطالب بها الفلسطينيون.
هنا تكمن خطورة اللحظة، الصمت الدولي يعني شرعنة التهجير. قبول العالم باستهداف الأساطيل المدنية يعني قتل أي عمل تضامني. التغاضي عن الحملات المنظمة ضد مصر يعني تسهيل تفكيك المنطقة من الداخل.
ما يحدث في غزة اليوم ليس مجرد معركة عسكرية، بل محاولة لإعادة رسم الخريطة السكانية والسياسية للمنطقة. إن لم يُواجه هذا المخطط الآن، فقد نصحو قريبا على واقع لا عودة منه، غزة بلا أهلها، ومشروع التهجير وقد صار أمرا واقعًا.
