مدريد/ إسبانيا
تعيش القنصليات المغربية بإسبانيا، منذ إعلان الحكومة الإسبانية عن نيتها تسوية وضعية حوالي نصف مليون مهاجر غير نظامي، على وقع ضغط غير مسبوق، في ظل الإقبال الكبير للمغاربة الراغبين في تسوية أوضاعهم القانونية، غير أن هذا الأمل سرعان ما يصطدم بعراقيل إدارية معقدة وبطء في تقديم الخدمات، ما حوّل القنصليات من بوابة لتيسير المساطر إلى نقطة اختناق تهدد مستقبل آلاف الأسر.
ويشتكي عدد متزايد من أفراد الجالية المغربية من صعوبات جمة في الحصول على الوثائق القنصلية والإدارية المطلوبة من طرف السلطات الإسبانية، وعلى رأسها عقود الازدياد، وشهادات العزوبة والسكنى، وتصحيح بيانات الحالة المدنية، إضافة إلى وثيقة “حسن السيرة” التي تستوجب في الغالب تحرير وكالة والتصديق عليها بالقنصلية قبل إرسالها إلى المغرب.
تشترط أغلب القنصليات المغربية بإسبانيا حجز موعد إلكتروني مسبق للاستفادة من أبسط الخدمات، وهو شرط تحوّل إلى كابوس يومي بالنسبة للمهاجرين. فالمواقع الإلكترونية غالبا ما تُظهر عبارة “لا توجد مواعيد متاحة”، لأيام بل لأسابيع، ما يدفع الكثيرين إلى الاستعانة بسماسرة يعرضون بيع المواعيد مقابل مبالغ تصل إلى 100 يورو.
ويقول أحد المهاجرين المقيمين بمريد:
“أدخل الموقع عشرات المرات في اليوم ولا أجد أي موعد، بينما السمسار يعرض عليّ موعدا في الغد مقابل 70 يورو. هذا ابتزاز واضح، لكن ماذا نفعل إذا كانت فرصة التسوية مهددة بالضياع؟”
لا تقتصر المعاناة على ندرة المواعيد، بل تمتد إلى تعقيد المنصات الرقمية نفسها، التي تشترط تحميل وثائق بصيغ محددة، وملء استمارات إلكترونية بلغة لا يتقنها عدد كبير من المهاجرين، خاصة كبار السن أو محدودي التعليم، ما يؤدي إلى رفض طلباتهم مرارا دون تقديم بدائل أو مواكبة حقيقية.
وفي حالات كثيرة، يتكبد مهاجرون عناء السفر من مدن بعيدة إلى القنصلية، ليُفاجؤوا بعدم إمكانية الولوج إلى المصلحة المختصة بسبب غياب موعد مسبق، حتى وإن كان الأمر يتعلق فقط بالتصديق على وكالة لا يستغرق إنجازها سوى دقائق.
هذا الوضع دفع الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب إلى توجيه سؤال كتابي إلى وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، نبه فيه إلى الضغط الكبير والتأخر الملحوظ في مواعيد إنجاز وتسليم الوثائق بالقنصليات المغربية بإسبانيا، وما يترتب عنه من تأثير سلبي على فرص استفادة المغاربة من برامج التسوية والإدماج القانوني.
وطالب الفريق بتبسيط المساطر، وتحسين جودة الخدمات القنصلية، وتعزيز الموارد البشرية واللوجستيكية، وتوسيع خدمات الرقمنة والحجز الإلكتروني بشكل عادل وشفاف.
المفارقة التي يثيرها عدد من أفراد الجالية تتمثل في أن مواطني دول أخرى يحصلون على وثائقهم من بعثات بلدانهم في إسبانيا بسهولة ومرونة، بينما يعاني المغاربة من مساطر معقدة في ظرفية استثنائية تستدعي حلولاً استثنائية.
ويرى متابعون أن استمرار هذا الوضع يسيء إلى صورة الإدارة المغربية بالخارج، ويتناقض مع الخطاب الرسمي الداعي إلى العناية بمغاربة العالم وتقريب الخدمات منهم.
أمام هذه الاختلالات، تتعالى الأصوات المطالبة بتعليق نظام المواعيد مؤقتا بالنسبة للوثائق المرتبطة مباشرة بملفات التسوية، وإحداث شبابيك خاصة داخل القنصليات لمواكبة هذه العملية، مع فتح تحقيقات جادة حول شبكات السمسرة التي تنشط في محيط حجز المواعيد.
فالهجرة ليست اختيارا سهلا، وتسوية الوضعية ليست امتيازا، بل حق قانوني، ولا ينبغي أن تتحول الإدارة، التي وُجدت لخدمة المواطن، إلى عائق إضافي في مسار مليء أصلا بالصعوبات
