إمزورن/ الريف
في مناطق واسعة من الريف، لم تعد طرقات مهترئة وخالية من أبسط شروط السلامة وحدها ما يهدد مستعملي الطريق، بل أضحت بعض الممارسات الصادرة عن عناصر يفترض فيهم حماية القانون مصدر خوف إضافي، يعمّق الإحساس بالحكرة ويغذي الشعور بالاستهداف، خاصة لدى أبناء المنطقة المقيمين بالخارج.
فبدل أن تكون المراقبة الطرقية آلية لضمان السلامة وتنظيم السير، تحوّلت في نظر عدد متزايد من المواطنين إلى ما يشبه “نقط استخلاص قسري”، تُدار بعقلية أقرب إلى منطق قطع الطريق منها إلى فلسفة تنفيذ القانون. منطق يقوم على الترهيب والعنصرية والانتقام، وفرض الأمر الواقع، وتجريد المواطن من حقه في النقاش أو التوضيح.
شهادات متقاطعة من طرقات الريف تتحدث عن مخالفات تُحرَّر في مقاطع طرقية تفتقر إلى علامات التشوير الواضحة، وتعرف تدهورا بنيويا خطيرا،
فبمقطع طرقي قبيل الوصول إلى مقر جماعة لوطا من جهة إمزورن باقليم الحسيمة، تم تحرير مخالفة في حق (عبد اللطيف س.)، المقيم بهولندا، بدعوى قطع الخط المتصل المرسوم فقط في خيال الدركي. وبحسب معاينة ميدانية وشهادة السائق، تعرف هذه الطريق وضعا متدهورا، إذ تنتشر بها بقايا انجرافات سيول الأمطار، مع غياب فعلي وواضح لأي خط متصل يمكن الاستناد إليه في إثبات المخالفة.
وحسب تصريح المعني بالأمر، فإن الطريق كانت خالية من حركة السير، فيما شكّلت الأوحال والرواسب المتراكمة على جنبات الطريق خطرا حقيقيا على سلامة المركبات، ما اضطره إلى تفاديها تفاديًا للانزلاق أو وقوع حادثة محتملة. وهو تصرف، في نظره، تحكمه قواعد السلامة والمنطق، لا نية خرق القانون.
السائق أكد أنه سبق له تقبّل مخالفات مرورية أخرى عن اقتناع تام، لكنه اعتبر هذه المخالفة بالذات غير منصفة، خاصة في ظل السياق الطرقي الذي وقعت فيه، وطريقة التعاطي التي رافقت تحريرها. إذ أفاد بأن الحوار الذي دار بينه وبين عنصر الدرك تخللته عبارات تهديدية وعنصرية من قبيل: “إلى مرضيتيش بهاد المخالفة، والله لا فرحتي بهاد الطوموبيل وغادي نغبرك فالحبس”، وهي عبارات، تطرح تساؤلات جدية حول أخلاقيات التواصل المفترض توفرها لدى رجل السلطة أثناء أداء مهامه.
وهذه الممارسات لا تُقرأ كحالات فردية معزولة، بل كجزء من سلوك متكرر، يُحسّ به الريفيون، وبشكل خاص المقيمين في أوروبا، الذين يجدون أنفسهم، عند عودتهم إلى وطنهم، في مواجهة تعامل انتقائي يوحي بأنهم “غنيمة سهلة” لا مواطنون كاملو الحقوق.
إن خطورة هذا الوضع لا تكمن فقط في المخالفة أو الغرامة، بل في الانزلاق الخطير من سلطة القانون إلى قانون السلطة، حيث يصبح رجل الدرك خصما لا حَكَما، ومصدر خوف بدل أن يكون مصدر طمأنينة. وحين يصل المواطن إلى حدّ تشبيه من يفترض فيهم حمايته بقطاع الطرق، فذلك مؤشر مقلق على خلل عميق في ممارسة السلطة.
في الريف، كما في باقي مناطق المغرب، لا يحتاج المواطن إلى مزيد من التخويف، بل إلى طرق صالحة، وتشوير واضح، وسلطة تطبق القانون بعقل الدولة لا بعقل “قطاع الطرق”. فالدولة القوية لا تُقاس بقدرتها على ترهيب مواطنيها، بل بقدرتها على حمايتهم دون إذلال.
