طنجة/ المغرب
تتكرر في المغرب قصص طرد عمال وعاملات بسبب مطالبتهم بأبسط حقوقهم، من أجر عادل إلى ظروف عمل إنسانية. حوادث مثل فصل عاملة في معمل نسيج بطنجة بعد شكواها من أجر لا يتجاوز 1070 درهما ليست استثناء، بل تعكس نمطا بنيويا من الاستغلال تحكمه علاقات قوة غير متكافئة، أقرب إلى منطق “المافيا الاقتصادية” منه إلى سوق شغل منظم.
يعتمد جزء كبير من النسيج الاقتصادي المغربي، خصوصا في قطاعات النسيج والفلاحة والخدمات، على يد عاملة هشة، بعقود شفهية أو محددة المدة، وغياب التصريح في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وأجور تقل عن الحد الأدنى القانوني، وساعات عمل طويلة دون تعويض. هذه الهشاشة ليست عرضا جانبيا، بل عنصرا أساسيا في نموذج ربحي يقوم على خفض الكلفة بأي ثمن، حتى لو كان الثمن كرامة الإنسان.
يُستعمل الخوف من الطرد كأداة ردع جماعية. كل عامل يرى زميلا له يُفصل بسبب شكوى أو مطالبة بحق، يستنتج رسالة واضحة؛ “أصمت أو تلقى المصير نفسه”. هكذا يتم تحويل القانون من آلية حماية إلى نص معلق لا يُفعَّل إلا انتقائيا، بينما يصبح الصمت شرطا غير معلن للاستمرار في العمل.
ورغم وجود قوانين شغل لصالح العامل نسبيًا على الورق، فإن ضعف التفتيش، وقلة المراقبة، تعقيد المساطر، الرشوة وفساد القضاء، كلها عوامل تفرغ هذه القوانين من مضمونها. في كثير من الحالات، يجد العامل نفسه وحيدا في مواجهة مؤسسة قوية، محاطة بمحامين ونفوذ وعلاقات، ما يخلق بيئة تسمح لبعض المشغلين بالتصرف كـ”سلطة فوق القانون”، حيث يصبح الطرد التعسفي والإهانة والضغط النفسي ممارسات عادية.
العمل النقابي نفسه يتعرض للتضييق، سواء عبر الطرد أو الترهيب أو التشويه، وبدل أن يُنظر إلى النقابة كشريك اجتماعي، يتم التعامل معها كخطر يجب تحييده، ما يترك العمال بلا وساطة جماعية تحميهم من التعسف. لأن الاستغلال لا يحتاج دائما إلى عنف مباشر، فهو يظهر عبر شبكة مصالح، كالإفلات من العقاب، واستعمال القوة الاقتصادية، وفرض “قانون الصمت”.
حين يُطرد عامل تحت المطر لأنه تجرأ على الكلام، فإن الرسالة ليست موجهة إليه وحده، بل لكل من يفكر في الاعتراض وتجرأ في الحديث عن راتبه البئيس. فهذا دليل على أن سياسات التشغيل لا تحمي اليد العاملة!
ما يحدث في المغرب ليس مجرد تجاوزات فردية، بل نظام قائم على استغلال العمالة الهشة وتحويل الحاجة إلى أداة ضغط مستمرة. وطالما بقي الصمت سيد الموقف، والقوانين على الورق فقط، ستستمر الشركات في ممارسة التعسف بلا رادع، وسيظل الخوف هو الأجر الحقيقي للعمال.
