أمستردام/ هولندا
نشرت صحيفة Trouw الهولندية يوم أمس تقريرا موسعا تناولت فيه موجة احتجاجات شبابية غير مسبوقة تشهدها المغرب، يقودها شبان وشابات من جيل Z، في تعبير واضح عن حالة الغضب المتنامية داخل أوساط الجيل الجديد تجاه الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في البلاد.
بحسب الصحيفة، انطلقت هذه الاحتجاجات على خلفية مطالب اجتماعية واقتصادية بحتة، أبرزها تحسين جودة التعليم العمومي، إصلاح المنظومة الصحية، توفير فرص عمل حقيقية للشباب، والحد من الفساد والمحسوبية، إضافة إلى المطالبة بالعدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق الطبقية.
ويؤكد مشاركون في الاحتجاجات، نقلت الصحيفة شهاداتهم، أن تحركاتهم كانت سلمية، ولم تحمل أي شعارات سياسية مباشرة أو دعوات لإسقاط النظام، بل اقتصرت على المطالبة بـ«الكرامة والحق في مستقبل أفضل».
غير أن رد السلطات، وفق ما أورده التقرير، جاء سريعا وحازما، إذ شنت الأجهزة الأمنية حملات اعتقال واسعة في عدد من المدن، طالت مئات المحتجين، بينهم طلاب وعاطلون عن العمل، وبعض القاصرين.
وتشير الصحيفة إلى أن الاعتقالات لم تقتصر على المتظاهرين في الشوارع، بل شملت أيضًا نشطاء جرى توقيفهم لاحقًا بسبب منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي دعمت الاحتجاجات أو دعت إلى الاستمرار فيها.
ينقل التقرير شهادات صادمة لمعتقلين سابقين ومحامين وناشطين حقوقيين، تحدثوا عن تعرض عدد من الموقوفين للضرب، الإهانات، والضغط النفسي داخل مراكز الاحتجاز. كما تحدثت بعض الشهادات عن التحقيق لساعات طويلة دون حضور محامين، وإجبار محتجين على التوقيع على محاضر لا تعكس حقيقة ما جرى خلال التوقيف.
وتشير الصحيفة إلى أن هذه الممارسات، إن صحت، تشكل انتهاكا واضحا للالتزامات القانونية والدستورية التي تعهد بها المغرب في مجال حقوق الإنسان، وتتناقض مع الصورة التي تحاول السلطات تقديمها عن احترام الحريات العامة.
وتخصص Trouw حيزًا مهمًا لمقارنة ما يحدث اليوم بما شهدته المنطقة خلال “الربيع العربي” عام 2011، حيث بدأت الاحتجاجات آنذاك بمطالب اجتماعية مشابهة، قبل أن تتحول إلى أزمات سياسية عميقة في عدد من الدول.
ويرى محتجون تحدثوا للصحيفة أن القمع الحالي يعيد إليهم شعور الخيبة الذي أعقب احتجاجات 2011، عندما قوبلت الوعود بالإصلاح بتغييرات محدودة لم تمس جوهر المشكلات الاجتماعية.
في المقابل، تنقل الصحيفة موقف السلطات المغربية، التي تؤكد أن تدخلها الأمني جاء لحماية النظام العام ومنع الفوضى، مشددة على أن التظاهرات لم تكن مرخصة، وأن بعض المشاركين خالفوا القانون. كما تنفي السلطات وجود تعذيب ممنهج، وتقول إن جميع الإجراءات المتخذة تخضع للقانون وتراقبها المؤسسات المختصة.
ويخلص التقرير إلى أن الهوة بين الدولة والجيل الشاب آخذة في الاتساع، محذرًا من أن الاعتماد المستمر على الحلول الأمنية بدل الحوار والاستجابة الجدية للمطالب الاجتماعية قد يؤدي إلى مزيد من الاحتقان.
وترى الصحيفة أن جيل Z في المغرب أكثر اتصالًا بالعالم، وأكثر وعيا بحقوقه، وأقل استعدادا لقبول الأوضاع القائمة، ما يجعل تجاهل مطالبه مخاطرة سياسية واجتماعية على المدى المتوسط والبعيد.
تختتم Trouw تقريرها بالتأكيد على أن ما يجري في المغرب ليس مجرد احتجاجات عابرة، بل مؤشر على أزمة بنيوية أعمق، عنوانها فقدان الثقة لدى الشباب في قدرة السياسات الحالية على تأمين مستقبل كريم لهم، وهو ما يضع السلطات أمام اختبار حقيقي بين خيار الإصلاح الجاد أو تكرار أخطاء الماضي.
