تقرير/
بين ملفات جيفري إيبستين والتسريبات التي خرجت عن محادثاته مع رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك، تتكشف خريطة صادمة لتاريخ الأزمة السورية. ما أُطلق عليه ”الثورة السورية” لم يكن انفجارا شعبيا عفويا، بل خطة استراتيجية دولية مدروسة لإسقاط نظام الأسد، بقيادة إسرائيل والولايات المتحدة، وبمشاركة فاعلة من تركيا وقطر وحركات إسلامية، بينها جماعات الإخوان المسلمين.
التسريبات، التي يعود تاريخها إلى عام 2013، تكشف أن باراك ناقش مع إيبستين رسالة كان ينوي إرسالها للقيادة الأمريكية، حدد فيها أهدافا واضحة لإسقاط الأسد، مع ضمان مصالح إسرائيل وأمريكا في المنطقة، وإقناع موسكو بعدم دعم النظام السوري مقابل تنازلات استراتيجية.
ويشير باراك إلى أن روسيا لاعب محوري لا يمكن تجاوزه في أي محاولة لإنهاء الحرب في سوريا. فهي القوة الوحيدة القادرة على التأثير المباشر على النظام السوري، سواء من خلال دعمها العسكري أو وجودها في قاعدة طرطوس. وأي حل واقعي للأزمة يبدأ بإقناع موسكو بالتخلي عن الأسد مقابل ضمانات لدورها في سوريا ما بعد سقوط النظام، وربما إبقاء وجودها العسكري في الساحل.
وتكشف التسريبات مخاوف إسرائيل من تعزيز القدرات العسكرية السورية، بما في ذلك منظومات “ياخونت” البحرية وبطاريات “S300”، وما يشكله ذلك من تهديد مباشر للأمن القومي الإسرائيلي. لذلك، تضمنت الخطة ضرورة تدمير سلاح الجو السوري وأنظمة الدفاع الجوي التابعة للنظام كخطوة حاسمة قبل أي تحول سياسي.
ما يبرز بشكل صادم هو أن ما عُرض للعالم كـ”ثورة شعبية” كان في الواقع ثورة ملونة بأدوات إسلاموية. الدعم الدولي، سواء عبر التمويل أو التدريب أو التسهيلات اللوجستية، جاء من تركيا وقطر والولايات المتحدة، مع استخدام حركات الإسلام السياسي لتأطير المعارضة السورية المسلحة.
وفق التسريبات، كان الهدف إسقاط الأسد بأي ثمن، حتى لو تطلّب دعم فصائل دمويّة أو مجرمة. وكان واضحًا أن سوريا بعد سقوطه قد تتحول إلى دولة فاشلة، ربما إلى “لبنان جديد” أو “صومال جديدة”، نتيجة الانقسامات الداخلية وانتشار الجماعات المسلحة. الثورة بهذا المعنى لم تكن حركة عفوية، بل أداة في يد قوى إقليمية ودولية لإعادة رسم خريطة النفوذ في سوريا والشرق الأوسط.
تشير الوثائق أيضًا إلى خطة شاملة تضمنت خيارات دبلوماسية وعسكرية وإنسانية في حال تعذّر التوصل إلى حل تفاوضي مع موسكو. من بين هذه الخيارات فرض منطقة حظر جوي على سوريا، وإنشاء ممرات آمنة للاجئين على الحدود التركية والأردنية، والضغوط الدبلوماسية المستمرة على روسيا لضمان التخلي عن دعم الأسد، والاستعداد لاستخدام القوة العسكرية المباشرة لتدمير سلاح الجو السوري وأنظمة الدفاع الجوي للنظام. وكان الهدف النهائي إسقاط النظام بشكل كامل، وليس مجرد تغيير قيادات أو التوصل إلى تسوية سياسية محدودة.
توضح التسريبات أن القرار بسقوط الأسد لم يكن وليد الصدفة أو الحرب الأهلية نفسها، بل خطة مشتركة بين إسرائيل وأمريكا صاغتها تل أبيب ونفذتها واشنطن عبر أدواتها العسكرية والدبلوماسية والإعلامية. كانت إسرائيل تعتبر رحيل الأسد ضرورة استراتيجية، وليس مجرد خيار، مع إدراك أن سوريا بعد سقوطه ستبقى ضعيفة ومقسمة، ما يضمن مصالحها الأمنية على المدى الطويل.
واليوم، وبعد أكثر من عقد من الزمن على اندلاع النزاع، تبدو توقعات باراك دقيقة إلى حد كبير. سوريا تحولت إلى دولة فاشلة تعاني من الانقسامات الداخلية وانتشار الجماعات المسلحة والتدخلات الأجنبية المستمرة. الخطط الأمريكية–الإسرائيلية–الإقليمية أسفرت عن سوريا مقسمة ومحطمة لكنها بعيدة عن الاستقرار، تمامًا كما توقع صانع القرار الإسرائيلي قبل سنوات.
تكشف التسريبات أيضا الفجوة بين الواقع الإعلامي والميداني، حيث صُوّرت الثورة على أنها انتفاضة شعبية، بينما كانت في الواقع مشروعًا دوليًا لإعادة رسم النظام السوري، باستخدام أدوات إسلاموية وسياسية متعددة لتحقيق مصالح إسرائيلية–أمريكية وإقليمية
