عماد العتابي
لم يكن مشهد جنازة شقيق حكيم زياش في تافوغالت مجرد لحظة عائلية حزينة، بل صورة مكثفة لمعنى العزلة السياسية والرياضية. لاعب عالمي، رفع علم بلاده في أكبر المحافل، يودّع أخاه وحيدًا، بلا حضور رسمي، وبلا رسالة تعزية. صمتٌ لا يمكن اعتباره صدفة، ولا اختزاله في بروتوكول.
غياب المسؤولين لم يكن تفصيلا عابرًا، بل موقفا سياسيًا صامتًا. رسالة باردة مفادها أن “المغرب الرسمي” لم يعد يتسع لمن يخرج عن النص، حتى وإن كان من أكثر من شرّفوا القميص الوطني. الدولة التي صفّقت لزياش وهو يركض في الملاعب، صمتت وهو يودّع دمه.
حكيم زياش ليس لاعبًا عاديا في تاريخ الكرة المغربية. لأنه اختار المغرب حين كان الطريق الأسهل يمر عبر هولندا، وتحمل بسبب هذا الاختيار هجمات اليمين المتطرف الهولندي، مفضّلًا الانتماء على الامتيازات. لكنه، على ما يبدو، ارتكب “الخطيئة الكبرى” حين اختار أن يكون إنسانًا.
لم يرفع زياش شعارا حزبيا، ولم يهاجم وطنه، ولم يخالف قانونا. كل ما فعله أنه عبّر عن تضامنه مع أطفال ونساء فلسطين. موقف إنساني بديهي في ضمير الشعوب، لكنه تحوّل في زمن الالتباس إلى تهمة، وإلى سبب كافٍ للتهميش وفرض حصار صامت لا يُعلَن ولا يُفسَّر.
ما يحدث مع زياش ليس شأنًا رياضيا، بل نموذج سياسي واضح. نموذج لما يحدث حين يُطلب من الرياضي أن يكون آلة بلا رأي، وحين يصبح الصمت شرطا للانتماء، والحياد الزائف بطاقة مرور. والأخطر من غياب المسؤولين عن جنازة زياش هو هذا الصمت الجماعي، صمت الجامعة الملكية لكرة القدم، صمت زملائه في المنتخب، وصمت النخب التي طالما تغنّت بالقيم والحرية.
هذا الصمت ليس حيادا، بل اصطفاف. وهو يؤكد أن القرار لم يعد رياضيًا ولا أخلاقيًا، بل سياسيًا خالصا، تحكمه حسابات خارجية وضغوط صهيونية لا علاقة لها لا بالكرة ولا بالوطن.
ما نعيشه اليوم نتيجة مباشرة لمسار واضح، مسار التطبيع المخزي مع الكيان الصهيوني، مسار أسرلة القرار المغربي بشكل خطير. مسار لم يغيّر فقط شكل العلاقات الخارجية، بل أعاد تشكيل مناخ التعبير الداخلي. فلقد صار مطلوبا من الفنان والرياضي والمثقف أن يكون محايدا إنسانيا، صامتا أخلاقيًا، وأن يعلّق ضميره كلما تعارض مع الخط المتصهين الرسمي الجديد.
حكيم زياش اليوم يدفع ثمن كونه شخصية عامة رفضت أن تتحول إلى دمية. يدفع ثمن موقف إنساني في لحظة يُراد فيها مغرب بلا صوت، بلا موقف، وبلا ذاكرة. لكن الأوطان لا تُبنى بإسكات أنبل أبنائها، ولا تُحمى بمعاقبة الضمير. وفلسطين، مهما حاول البعض إخراجها من الوعي الرسمي، ستظل حاضرة في وجدان المغاربة. فالتطبيع قد يُوقَّع في المكاتب، لكنه لا يُزرع في القلوب.
حكيم زياش لم يخن المغرب، المغرب الرسمي هو من تخلّى عن أحد أنبل وجوهه. والتاريخ لا يتذكر من صفقوا، بل من وقفوا في اللحظة الصعبة وقالوا: لا للتطبيع مع الصهاينة المجرمين والقتلة

نعم استاذ عماد النظام يمتاز في عزل الشعب عن كل القضايا الانسانية ليجعل منه دمية يتحكم فيها كما يشاء.
ما وقع في جنازة شقيق حكيم زياش ليس “غيابًا بروتوكوليًا” ولا سهوًا إداريًا، بل عقاب سياسي مقصود صادر عن نظام لا يعرف الوطن إلا كملف، ولا يرى في الإنسان إلا وظيفة.
زياش ولقجع من نفس وادي زكزل، من نفس المجال الاجتماعي، ومع ذلك لم تتحرك لا العائلة ولا المؤسسة. وهذا يؤكد أن القرابة والجهة مجرد شعارات تُستعمل حين تخدم السلطة، وتُرمى حين يُراد التأديب.
زياش لم يُعاقَب لأنه أخطأ، بل لأنه رفض أن يكون دمية في مسرح التطبيع. قال فلسطين، فكان عليه أن يُمحى رمزيًا: صمت، تجاهل، حصار بارد. هذا هو منطق النظام: من يخرج عن السردية يُعاقَب، ولو كان من أكثر من شرّف القميص الوطني.
الدولة التي صفّقت له في الملاعب، تركته وحيدًا وهو يودّع أخاه. لا لأن الحزن لا يعنيها، بل لأن الضمير جريمة في زمن الاصطفاف.
ما يحدث مع زياش رسالة للجميع: إما الصمت، أو العزل. لكن فلسطين ليست ملفًا دبلوماسيًا، بل معيار كرامة. والتطبيع قد يُفرض من فوق، لكنه لن يُزرع في الوعي الشعبي، مهما اشتدّ القمع الرمزي.
تحياتي
يحي يشاوي