تقرير/
أعلنت الحكومات السورية والإسرائيلية والأميركية في بيان مشترك صدر عن اجتماع ثلاثي عقد في باريس عن تأسيس “خلية تنسيق أمني ودبلوماسي مشتركة”، تهدف إلى تعزيز الأمن والاستقرار بين دمشق و”تل أبيب” تحت إشراف أميركي مباشر.
ويمثل هذا التحول خطوة غير مسبوقة في تاريخ سوريا، التي لطالما ارتبطت بالرفض الكامل لأي شكل من أشكال التطبيع أو التعاون المباشر مع الاحتلال الإسرائيلي منذ العام 1948 وحتى سقوط الدولة السورية في يد أدوات إسرائيل وتركيا وأمريكا.
تأتي هذه الخطوة في وقت حساس على الصعيدين الداخلي والإقليمي، إذ تتنافس قوى متعددة على النفوذ داخل سوريا، بما في ذلك الفصائل المسلحة غير التابعة لحكومة الجولاني، والوجود الاسرائيلي والتركي والأمريكي، فضلاً عن التحديات الاقتصادية والاجتماعية المستمرة بعد سنوات طويلة من الحرب والصراعات الداخلية.
ويشير البيان إلى أن الآلية الجديدة ستشمل التنسيق الاستخباراتي والأمني لمواجهة التهديدات المشتركة، بما في ذلك الجماعات المسلحة والمتطرفة. كما ستتيح هذه الآلية التعامل التجاري والاقتصادي في قطاعات محددة تحت رقابة دولية، والانخراط الدبلوماسي المباشر لحل الخلافات بسرعة وفعالية، ما يساهم في الحد من احتمالات التصعيد العسكري أو السياسي.
وأمام هذه التطورات، أعادت هذه الخطوة إلى الأذهان تجربة السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية بقيادة محمود عباس “أبو مازن”، حيث أُنشئت آليات للتنسيق الأمني مع الاحتلال منذ اتفاق أوسلو، وكان الهدف المعلن حماية الاستقرار الداخلي، بينما خدم في الواقع مصالح الاحتلال الإسرائيلي من خلال مراقبة النشاطات السياسية والعسكرية والتحكم في حركة الفلسطينيين.
وبناءً على هذا الاتفاقية، يمكن اعتبار الجولاني، رئيس سوريا الحالي، نسخة سورية من “أبو مازن”، إذ يدخل مرحلة جديدة من التعاون المباشر مع الاحتلال. الجولاني الذي لطالما كان يتباهى بأنه سيحرر القدس بعد تحرير دمشق، يجد نفسه اليوم في موقف معاكس تماما، ليصبح عمليا نسخة مطابقة لما قام به “أبو مازن” في الضفة الغربية، حيث استُخدمت آليات التنسيق الأمني لخدمة مصالح الاحتلال بدل حماية السيادة الوطنية.
ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة في ظل السياق الإقليمي المعقد، حيث تتصاعد النفوذ الاسرائيلي والتركي في سوريا، وتستمر المنافسة الدولية على النفوذ والموارد، ما يجعل التنسيق مع إسرائيل عبر واشنطن أداة لإعادة ترتيب موازين القوى على أكثر من مستوى داخلي وخارجي
