- عماد العتابي
قبل أشهر قليلة، في قلب باريس، رفع شباب ينتمون إلى “جيل زد” لافتة صغيرة، لكنها حملت في كلماتها كل شيء؛ “خفت نكتب شي حاجة ويشدوني في المطار”. جملة واحدة، لكنها حاكَت مخاوف أجيال من المغاربة الذين يعيشون بين الوطن والشتات، بين الحب له وبين الخوف من أن يكون مجرد التعبير عن رأي جريمة.
البارحة، جاء خبر اعتقال الشابة المناضلة زينب خروبي ليجعل تلك الكلمات تتردد في أذهاننا بقوة أكبر. لأنها لم تعد مجرد رسالة من الخارج، بل واقع يُعاش في الداخل أيضا. فالمواطن المغربي اليوم يعيش في بيئة أصبحت فيها الحرية ليست مجرد حق، بل مخاطرة، حيث يُراقب كل تعليق وكل مشاركة على منصات التواصل الاجتماعي، وأحيانا حتى مجرد الحديث عن قضية إنسانية قد يؤدي بك إلى التحقيق.
سياسات “المخزن” في السنوات الأخيرة أظهرت اتجاها صارما نحو السيطرة على الفضاء العام واحتكار الخطاب، واستعمال القوانين والأجهزة الأمنية كأدوات لضبط أي صوت مخالف. وليس غريبا أن نجد اليوم استقواء سياسيا، مستندا ربما إلى الدعم الخارجي من بعض القوى الدولية، في حين يستمر الضغط على الصحافيين والنشطاء والمدونين والمواطنين العاديين الذين يرفعون صوتهم في الداخل والخارج.
هذه السياسات ليست مجرد إجراءات إدارية، بل محاولة واضحة لتشكيل بيئة خوف مستمرة، حيث يصبح المواطنون عاجزين عن التعبير عن آرائهم بحرية، حتى عندما يكونون على بعد آلاف الكيلومترات عن وطنهم. وهذه الظاهرة تتجاوز مجرد قمع المعارضين؛ بل تهدد جوهر المجتمع المدني المغربي، وتفقد البلاد أجيالها الشابة الثقة في الدولة وفي مستقبل يضمن لهم الحريات الأساسية.
لكن وراء هذا الخوف، هناك صوت آخر لا يُسكت. صوت الشباب المغربي في الداخل والخارج، الذي يرفض أن يُسلب منه حقه في التعبير. وهدف الأجهزة الأمنية من هذه الاعتقالات، هو خلق مجتمع يخاف أن يفتح فمه، يخاف أن يفكر بحرية، ويخاف أن يرفع صوته من أجل الحق. وعندما يصبح التعبير عن رأيك تهديدا، حينها نكون أمام مجتمع يعاني من صمت قسري، ويخسر جزءا من إنسانيته، ويضعف نسيجه الاجتماعي والمدني.
والمغرب اليوم على مفترق طرق. إما أن يختار فتح المجال العام، ويحترم حقوق المواطنين ويسمح للشباب بالحديث والتعبير دون خوف، أو يستمر في سياسات القمع التي تولد الخوف واليأس، وتدفع بأجيال كاملة إلى الحذر والصمت والانفجار فيما بعد.
اللافتة في باريس واعتقال زينب خروبي ليستا حوادث منفصلة. كلاهما جزء من لوحة واحدة، لوحة تصور واقعا يعيش فيه المواطن المغربي صراعا يوميا بين الخوف والمقاومة وبين الصمت والكلمة.
وبالرغم من كل هذا الترهيب، لن يختفي الفكر الحر، مهما حاولت الدولة إخضاعه. فالحرية، كما أثبت التاريخ، دائما تجد طريقها للخروج، ولو بعد طول انتظار.
