عماد العتابي
تدهور الحالة الصحية لأحمد الزفزافي، والد المعتقل السياسي ناصر الزفزافي، لا يمثل فقط مأساة إنسانية لعائلة تعيش على وقع المرض والغياب القسري، بل يضع الدولة المغربية أمام امتحان عسير هل ستغلب منطق الرحمة والإنسانية، أم ستواصل التمسك بلغة العقاب الصارم؟
ليس خافيا أن العلاقة بين الريف والمركز محفوفة بتاريخ طويل من التوتر وسوء الفهم المتبادل. فمنذ أحداث خمسينيات القرن الماضي، حين اندلعت انتفاضة الريف وقوبلت بالقمع العسكري الدموي، إلى احتجاجات الثمانينيات، وصولاً إلى “حراك الريف” سنة 2017، ظلّت المنطقة في نظر السلطة فضاء مقلقا، فيما يرى الريفيون أنفسهم مهمشين ومقصيين من ثمار التنمية. هذه الذاكرة الجريحة جعلت كل خطوة من الدولة تُقرأ في الريف كرسالة ذات دلالات تتجاوز الأشخاص إلى الجماعة بأكملها.
في هذا السياق، يصبح السماح لناصر الزفزافي بمرافقة والده المريض مسألة رمزية كبرى. فهي لا تتعلق فقط بابن يزور أباه في لحظات حرجة، بل تعني استعداد الدولة لإظهار وجهها الإنساني أمام منطقة تعبت من الإقصاء ومنطق القوة. إن التمسك باعتقاله وبحرمانه، ولو باسم القانون، سيُقرأ كإصرار على تغليب العقاب على الرحمة، وهو ما لا يزيد إلا في تعميق الفجوة وترسيخ الشعور بالظلم.
العدالة، في جوهرها، لا تقوم على النصوص الجامدة وحدها، بل على توازن دقيق بين الصرامة والإنصاف، بين حفظ هيبة الدولة واحترام إنسانية المواطن. حين يُترك أب مريض يصارع السرطان بعيداً عن ابنه، فإن صورة الدولة لا تُقاس بصرامة قوانينها، بل بقسوة قلبها. أما حين تسمح بلمّ شمل العائلة في مثل هذه اللحظات العصيبة، فهي لا تُضعف سلطتها كما قد يتوهم البعض، بل تعزّزها لأنها تكتسب شرعية إنسانية وأخلاقية.
إن الريف اليوم لا ينتظر قرارات كبرى بقدر ما يترقب إشارات بسيطة لكنها عميقة في معناها مثل، هل الدولة قادرة على تضميد الجرح، أم أنها ستواصل سياسة الإقصاء الرمزي والمعنوي؟
إن المصالحة مع الريف لن تتحقق عبر الوعود التنموية وحدها، بل تتطلب شجاعة سياسية للاعتراف بخصوصية المنطقة وتاريخها وذاكرتها الجماعية. رفع يد الدولة عن تأويل هذا التاريخ ومحاولة طمسه أو التحكم فيه، هو الخطوة الأولى نحو بناء ثقة جديدة. فالمصالحة الحقيقية تبدأ حين تعترف الدولة بأن الريف ليس خصما يجب مراقبته وخنقه، بل جزءا أصيلا من الوطن يستحق أن يُحتضن بتاريخه وجرحه وذاكرته.
وقد أثبتت تجارب عديدة عبر العالم أن المصالحة لا تعني النسيان أو الإذعان، بل الشجاعة في مواجهة الذاكرة المشتركة. ففي جنوب إفريقيا مثلا، لم تُطوَ صفحة الفصل العنصري إلا بجرأة الاعتراف والإنصات لضحايا الماضي عبر “لجان الحقيقة والمصالحة”. وفي إسبانيا، كان التعامل مع ملف إقليم الباسك قائما على إدماج خصوصيته الثقافية والسياسية بدل إنكارها، وهو ما سمح بطي صفحة عقود من العنف والدماء. المغرب ليس أقل قدرة على استلهام هذه التجارب وصياغة مصالحة خاصة به، تنطلق من الريف لتشمل كل المناطق التي تشعر بالتهميش أو الغبن التاريخي.
حينها فقط، يمكن أن تتحول لحظة إنسانية بسيطة، مثل إطلاق سراح ناصر الزفزافي وتمكينه من مرافقة والده في هذه الفترة، إلى بداية عهد جديد من الثقة المتبادلة، حيث تُقاس قوة الدولة بقدرتها على احتضان مواطنيها لا بخوفهم منها.
