عماد العتابي
لم تكن مباراة نهائي كأس إفريقيا بين المغرب والسنغال مجرد حدث رياضي، بل شكّلت، للأسف، لحظة كاشفة لما كان يُختمر في العمق منذ سنوات. ما انفجر بعد صافرة النهاية لم يكن غضبا رياضيا ولا خيبة أمل مشروعة، بل سيلا من خطاب عنصري فجّ، خرج من الهامش إلى العلن، ومن الهمس إلى الفعل، ومن التعليقات الافتراضية إلى الشارع والأسواق.
فجأة، صارت الإهانات تُقال بلا خجل، وصار اللون موضوع سخرية، وصار الإفريقي “الأسود” هدفا مشروعًا للإقصاء والتجريد من الكرامة. صفحات تجارية تعلن أنها لن تبيع إلا “للمغاربة” أو “للأوروبيين”، بائع يرفض بيع الخضر لإنسان فقط لأنه سنغالي، ومؤثرون وفنانون يلمّحون ويضحكون ويطبعون هذا الانحدار الأخلاقي تحت غطاء المزاح أو الوطنية الزائفة. كل هذا لم يولد من فراغ.
الخطير في ما حدث بعد النهائي ليس فقط حجم العنصرية، بل جرأتها.. جرأة قول ما كان يُقال سرًا، وجرأة ممارسة التمييز علنا دون خوف من محاسبة أو مساءلة. وهذه الجرأة لم تأتِ من فراغ، بل صُنعت بالتراكم، حين جرى تطبيع خطاب الكراهية لسنوات، وتقديم “المهاجر الإفريقي كتهديد، وكعبء، وكسبب لكل الأزمات.
هنا لا يمكن القفز على المسؤوليات. فصحافة التشهير، التي غذّتها السلطة وتركتها تنمو بلا ضوابط، لعبت دورا مركزيا في تسميم الوعي الجماعي. بالعناوين الحريضية والصور نمطية ورربط ممنهج بين الأفارقة والجريمة والفوضى والأوساخ، كل ذلك مرّ باسم “الخبر” و”حرية التعبير”، بينما كان في الحقيقة تحريضا صريحا على الكراهية. وحين كان العقلاء يحذرون من العواقب، قوبلوا بالتجاهل أو التخوين.
الدولة التي تسمح بهذا الخطاب، أو تتغاضى عنه، لا يمكنها اليوم ادعاء البراءة. ما نعيشه اليوم هو ثمرة ما زُرع بالأمس. وحين يُترك الإعلام المنحط ليؤدي وظيفة سياسية قذرة، يتم تحويل الغضب الاجتماعي نحو الأضعف، نحو “الآخر”، والنتيجة الحتمية هي انفجار عنصري عند أول شرارة. وكانت مباراة نهائي المغرب والسنغال تلك الشرارة.
الأسوأ أن البعض يحاول اليوم تسويق ما جرى على أنه “رد فعل عاطفي” أو “حالات معزولة”. هذا تزييف للواقع. فما حدث هو كشفٌ لحقيقة مرة تقول أن خطاب العنصرية كان جاهزا، ومخزونا، وينتظر فقط اللحظة المناسبة ليطفو. ولو لم تكن الأرضية مهيأة، لما تحولت مباراة كرة قدم إلى مبرر لإهانة إنسان في قوته اليومي.
المغرب لم يكن يوما مجتمعا عنصريًا بطبيعته، لكن لا وجود لمجتمع محصّن ضد الانحدار. القيم لا تُحفظ بالشعارات، بل بالسياسات، وبالإعلام المسؤول، وبالمحاسبة. وعندما تُفرّغ الوطنية من بعدها الإنساني، وتُختزل في لون أو أصل، فإنها تتحول إلى أداة إقصاء.
العنصرية التي خرجت إلى العلن بعد النهائي ليست خطرًا على الأفارقة وحدهم، بل على المجتمع بأكمله. لأنها، حين تُشرعن، لا تتوقف عند فئة واحدة. اليوم الإفريقي، وغدًا المختلف، وبعده الفقير أو المعارض أو الهامشي. هكذا تبدأ المجتمعات في التآكل من الداخل.
ما وقع بعد نهائي المغرب والسنغال إنذار أخير. إنذار بأن ما زُرع من كراهية، وما رُوِّج له من صور نمطية، وما سُمح به من تحريض إعلامي، بدأ يؤتي ثماره المسمومة. ومن يعتقد أن العنصرية يمكن توجيهها والتحكم فيها ثم إطفاؤها متى شاء، يخطئ قراءة التاريخ. فالكراهية حين تُطلق لا تعود إلى القمقم، بل تبحث دائمًا عن ضحية جديدة.
اليوم يُهان الإفريقي في الشارع، وغدا سيُهان غيره، لأن المجتمع الذي يعتاد إهانة الإنسان يفقد تدريجيا قدرته على الدفاع عن كرامته هو نفسه.
